
منذ أيار 2026، ينشغل الجيش الأميركي بمهمة لم تحظَ بالضجة الإعلامية التي رافقت المواجهات المباشرة مع إيران، لكنها قد تكون أكثر تأثيراً على المدى المتوسط في معادلة السيطرة على أحد أخطر ممرات الطاقة في العالم: إنشاء ممر ملاحي سري داخل مضيق هرمز، مصمم خصيصاً لتفادي نقاط الاشتباك التقليدية مع طهران.
يقع هذا الممر ضمن المسار الجنوبي للمضيق، بمحاذاة الساحل العُماني، بعيداً عن المياه الإقليمية الإيرانية التي شهدت أعمال مضايقة واستهداف متكررة لناقلات النفط خلال الأشهر الماضية. الفكرة الأساسية وراء هذا التوجه ليست معقدة: كلما ابتعدت السفن عن نطاق السيطرة الإيرانية المباشرة، تراجعت احتمالات تعرضها للاحتجاز أو الاستهداف، وهو ما دفع البحرية الأميركية إلى حشد عشرات السفن الحربية لتأمين هذا المسار البديل وفرض واقع ملاحي جديد يقلّص من قدرة طهران على التحكم بحركة الناقلات الدولية.
بحسب ما تسرب من معلومات ميدانية، نجحت هذه الجهود حتى الآن في مساعدة أكثر من ألف سفينة على عبور مضيق هرمز بسلام منذ بدء العمل بالخطة، في وقت يقترب فيه متوسط الصادرات النفطية الإجمالية عبر المضيق من عشرة ملايين برميل يومياً، مع ذروات تصل أحياناً إلى عشرين مليون برميل. هذه الأرقام تمنح الممر الأميركي وزناً استراتيجياً يتجاوز كونه مجرد إجراء أمني مؤقت، ليتحول إلى أداة فعلية لإعادة تشكيل خريطة النفوذ في المضيق.
غير أن هذا الممر لا يعمل في فراغ. فبينما تكرّس واشنطن حضورها العسكري في الجنوب، برزت مؤخراً مبادرة موازية ومختلفة الطبيعة تماماً: تفاهم إيراني-عُماني، انضمت إليه قطر كوسيط، لإنشاء "ممر ملاحي مؤقت مشترك" يمتد جزء منه داخل المياه الإقليمية العُمانية والإيرانية معاً، إلى جانب مشروع لتطهير المضيق من الألغام. هذا التفاهم، على عكس الممر الأميركي، لا يلتف على إيران بل يُبقيها طرفاً مباشراً في إدارة الملف، وإن كان عبر وسيط إقليمي هو مسقط لا عبر تفاوض مباشر مع واشنطن.
الفارق بين المسارين ليس تقنياً فحسب، بل سياسي بامتياز. الممر الأميركي يعكس منطق "الأمر الواقع" الذي تفرضه القوة العسكرية بمعزل عن موافقة طهران، بينما يعكس المسار الإيراني-العُماني-القطري منطق التفاوض والتشارك في السيادة على الممر. وقد صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً بأن بلاده تسيطر بالكامل على مضيق هرمز وأن الأخير مفتوح أمام الملاحة، في حين حذّرت طهران السفن التي تصفها بـ"المخالفة لقواعد العبور" من عقوبات قد تصل إلى الاحتجاز أو المصادرة.
اللافت أن حركة الملاحة الفعلية عبر المضيق لا تزال، رغم كل هذه الترتيبات المتوازية، دون مستوياتها المعتادة بشكل واضح، ما يشي بأن الحلول الأمنية والدبلوماسية، على تعددها، لم تُترجم بعد إلى استقرار فعلي في واحد من أكثر الممرات حيوية لإمدادات الطاقة العالمية. ويبقى السؤال الجوهري: هل سيتحول الممر الأميركي السري إلى نموذج دائم لإدارة أزمات المضيق مستقبلاً، أم أنه مجرد حل مؤقت سيتراجع لصالح ترتيب تفاوضي أوسع يشمل إيران كطرف أصيل لا مجرد خصم يُلتف عليه؟
إقرأ أيضاً: كيف يعيش الإيرانيون يومهم في زمن الحصار المشدَّد؟







