
تحتلّ مدينة النبطية موقعاً استراتيجياً محورياً في الجغرافيا العسكرية لجنوب لبنان، بوصفها المركز الإداري والاقتصادي الأكبر لجبل عامل، والعقدة الرئيسية التي تتقاطع عندها محاور المواصلات بين الجنوب والبقاع الغربي وبيروت. فالمدينة تشكّل نقطة ارتكاز لوجيستية تصل خطوط الإمداد بين الأقضية الجنوبية (صور، بنت جبيل، مرجعيون) والداخل اللبناني، ما يمنح السيطرة عليها قدرة على التحكم بحركة النقل والتموين في كامل الجنوب.
عسكرياً، تكتسب النبطية أهمية مضاعفة كونها تقع على مرتفعات مطلّة تشرف على وادي الليطاني وامتداد نهر الزهراني، وهي خطوط دفاعية طبيعية اعتُبرت تاريخياً خط الدفاع الثاني بعد الشريط الحدودي مباشرة. وقد باتت هذه الأهمية أكثر وضوحاً مع تصاعد المخطط الإسرائيلي المعروف بـ"الخط الرمادي"، الذي يسعى إلى فرض منطقة أمنية موسّعة شمال الحدود، بعدما نجحت قوات الاحتلال في بسط سيطرتها على مرتفعات علي الطاهر، ما فتح الباب أمام تقدّم ميداني إضافي يضع النبطية على خط المواجهة المباشر.
منذ أواخر أيار الماضي، وجّه الجيش الإسرائيلي أكثر من إنذار إخلاء لسكان المدينة، داعياً إياهم إلى النزوح شمال نهر الزهراني تمهيداً لعمليات وصفها بأنها ستكون "بقوة" ضد "حزب الله"، قبل أن تتوسع الغارات فعلياً لتطال المدينة ومحيطها في عربصاليم ومناطق إقليم التفاح، في إطار حملة متصاعدة منذ استئناف إسرائيل خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في نيسان الماضي.
تقع مدينة النبطية شمال نهر الليطاني، على بُعد نحو 15 كيلومتراً منه، وليس جنوبه. هذا الموقع تحديداً هو ما يمنحها أهمية استراتيجية مضاعفة في السياق الحالي: فبعدما كان الليطاني يُعتبر تاريخياً خط الدفاع الطبيعي الفاصل، فإن أي تقدّم إسرائيلي "يتجاوز" النهر باتجاه الشمال يعني عملياً الاقتراب المباشر من تخوم المدينة نفسها.
كما أن السيطرة على مدينة بحجم النبطية وثقلها السكاني والرمزي (كونها مركز محافظة كاملة) ستمثل تصعيداً نوعياً يتجاوز منطق "الضربات التحذيرية" المحدودة، لينذر بمرحلة احتلال ميداني أوسع، تعيد إلى الأذهان سيناريوهات الاجتياحات السابقة، وتضع لبنان أمام استحقاق أمني وسيادي غير مسبوق منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
إقرأ أيضاً: تحرّك لإبطال المرسوم







