
مع اقتراب موعد 26 أيلول، الذي حدّدته بلديات جوار مطمر سرار موعداً نهائياً لوقف إدخال النفايات إلى المكب، يدخل الملف مرحلته الأكثر حساسية منذ سنوات، وسط إصرار عكاري على أن "الصبر نفد" بعد عقود من تحمّل المنطقة أعباء لا تخصّها وحدها.
قبل أيام، رفعت البلديات المتضررة مطالبها بوضوح خلال اجتماعها مع محافظ عكار عماد اللبكي في سراي حلبا، حيث تم عرض الواقع البيئي والصحي المتردّي الذي خلّفه استمرار استقبال المكب للنفايات على مدى 33 عاماً، مطالبة بتشغيل معمل الفرز والمطمر الصحي بدل الاستمرار بالطمر العشوائي، إلى جانب معالجة جدّية للأضرار المتراكمة وإنصاف البلدات المحيطة التي تعيش يومياً مع الروائح والتلوث والأمراض.
في مسعى لتفادي الانفجار المرتقب في هذا الملف، حاول رئيس الحكومة نواف سلام، عبر سلسلة اجتماعات، إقناع رؤساء البلديات المعنية بقبول استمرار استقبال نفايات طرابلس في سرار لمدة ستة أشهر إضافية، عارضاً في المقابل مجموعة من "المحفّزات": مشاريع خدمية موعودة، ومبالغ مالية. لكن هذا الطرح اصطدم برفض قاطع من رؤساء البلديات، الذين اعتبروا أن المسألة لا يمكن اختزالها بصفقة مالية ظرفية أو وعود مؤجّلة، فالطرقات والصرف الصحي، كما قالوا، هي أبسط حقوق المنطقة على الدولة، وليست هبة مشروطة باستقبال نفايات الآخرين.
بل ذهب بعض رؤساء البلديات إلى حدّ إبلاغ رئيس الحكومة أنهم يفضّلون الاستقالة على أن يوقّعوا قراراً "ستحاسبهم عليه الأجيال المقبلة"، في رسالة واضحة بأن التنازل هذه المرة غير وارد، مهما بلغت الضغوط.
مقابل هذا الإجماع البلدي على الرفض، اشتكى بعض العكاريين من أنّ للنائب أسعد درغام يدّ في هذا الملف، من خلال تسويق المشروع بصيغته الحالية بين البلديات المعنية، محاولاً تليين موقفها الرافض تحت عنوان "الإغراءات الإنمائية" التي يروّج لها كبديل مقبول عن الرفض المطلق. ويُفترض بالنائب المذكور، أن يكون خط الدفاع الأول عن عكار وأهلها في وجه أي مشروع قد يحوّلها إلى بؤرة تلوث بيئي دائمة، لا أن يتحول إلى قناة ضغط إضافية على البلديات لتمرير صفقة تُبقي المنطقة رهينة نفايات لا تخصّها.
ويرى الأهالي أنّ اصطفاف نائب من المنطقة إلى جانب طرح كهذا، بدل الوقوف حائط صدّ في وجهه، يطرح علامات استفهام حول الحسابات التي تحكم موقفه، خصوصاً أن الأضرار البيئية والصحية ستطال أبناء دائرته الانتخابية فيما لو وجد المشروع طريقه إلى التنفيذ.
بالنسبة إلى أبناء عكار، فإن ما يجري ليس مجرد خلاف تقني حول مطمر أو مهلة زمنية، بل تكثيف لعلاقة الدولة بالمنطقة بأكملها: منطقة لا تُستحضر إلا عند الحاجة إلى "مكان لترحيل الأزمات"، فيما تبقى مطالبها الإنمائية معلّقة عاماً بعد عام.
إقرأ أيضاً: بين القصر والسراي: ما القصة؟







