بالريشة

فرنسا تحت ضغط الشارع: هل تحسم أعمال الشغب معركة الإليزيه؟

قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027، تجد فرنسا نفسها أمام انفجار اجتماعي وسياسي يعيد إلى الأذهان احتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018، لكن في ظروف أكثر تعقيداً. فالتظاهرات التي بلغت ذروتها في 17 تشرين الأول الجاري، وما رافقها من أعمال شغب وعنف وتخريب، لم تعد مجرد احتجاجات على الأوضاع المعيشية، بل تحوّلت إلى اختبار لقدرة الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته على إدارة المرحلة الأخيرة من عهده، وإلى عامل قد يعيد رسم موازين القوى بين الأحزاب اليمينية واليسارية.

بدأت شرارة التحركات في أيلول الماضي، مع احتجاجات طلابية على تدهور أوضاع المدارس ونقص المدرّسين والإمكانات التعليمية، قبل أن تتسع تدريجياً لتشمل النقابات وشرائح اجتماعية متضرّرة من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتراجع الخدمات العامة. وسرعان ما تداخل الغضب الاجتماعي مع أزمة سياسية مزمنة، عنوانها ضعف السلطة التنفيذية وعجز البرلمان المنقسم عن إنتاج حلول اقتصادية تحظى بتوافق واسع.

شهد يوم 17 تشرين الأول مشاركة مئات آلاف المتظاهرين في مختلف المدن الفرنسية، قبل أن تتحوّل بعض التجمعات إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، تخلّلتها عمليات إحراق سيارات ونهب محال تجارية والاعتداء على مبانٍ عامة، بينها مقر بلدية ليموج. وأدّت أعمال العنف إلى توقيف أعداد كبيرة من الأشخاص وإصابة عناصر أمنية، ما وضع الحكومة أمام تحدّي التوفيق بين حماية الحق في التظاهر واستعادة الأمن.

لكن خطورة هذه التطورات تكمن في توقيتها الانتخابي. فماكرون، الذي لا يستطيع الترشح لولاية ثالثة متتالية، يواجه تراجعاً في نفوذه السياسي، فيما يعاني المعسكر الوسطي من صعوبة بلورة مرشح قادر على الحفاظ على إرثه. وتزيد الاضطرابات من إضعاف فرص هذا التيار، خصوصاً مع تحميل السلطة مسؤولية التدهور الاجتماعي والعجز عن احتواء الغضب الشعبي.

في المقابل، يبدو "التجمع الوطني اليميني المتطرف"، بقيادة مارين لوبن وجوردان بارديلا، أحد أبرز المستفيدين المحتملين. فمشاهد الشغب تمنحه فرصة لتعزيز خطابه القائم على الأمن والنظام واستعادة سلطة الدولة، واستقطاب الناخبين القلقين من الفوضى. أما حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، فيسعى بدوره إلى استعادة حضوره عبر المطالبة بإجراءات أمنية أكثر تشدداً، لكنه يواجه منافسة مباشرة من التجمع الوطني على القاعدة الانتخابية المحافظة.

على الضفة اليسارية، يواجه جان لوك ميلانشون وحزب «فرنسا الأبية» معادلة دقيقة. فالحركة الاحتجاجية تمنحهما فرصة لاستثمار الغضب الاجتماعي وتقديم نفسيهما ممثلَين للفئات المتضرّرة، لكن أعمال العنف قد تتحوّل إلى عبء انتخابي، خصوصاً مع اتهام الحزب بتشجيع التصعيد. وفي المقابل، يحاول الاشتراكيون والخضر والتيار الاجتماعي الديمقراطي التمايز بخطاب يجمع الدفاع عن المطالب الاجتماعية ورفض العنف، في مسعى لاستقطاب الناخبين المعتدلين.

هكذا، تبدو فرنسا مقبلة على انتخابات لا تحدّد نتائجها البرامج الاقتصادية وحدها، بل أيضاً قدرة المرشحين على الإجابة عن سؤالين متلازمين: من يستطيع معالجة الأزمة الاجتماعية، ومن يستطيع إعادة الأمن والاستقرار؟

بين يسار يسعى إلى تحويل الغضب إلى أصوات، ويمين يستثمر الخوف من الفوضى، ووسط يواجه تآكل نفوذه، قد تتحوّل أحداث تشرين الأول إلى محطة مفصلية في السباق نحو الإليزيه، وإن كان من المبكر الجزم بهوية المستفيد الانتخابي النهائي.

إقرأ أيضاً: "أم القنابل"… سلاح أميركي بقدرة تدميرية هائلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى