بالريشة

اتفاق الجيش السوري وقسد يرسم ملامح مرحلة جديدة

تكتسب الاتفاقية التي عُقدت أمس بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أهمية استثنائية في توقيتها ومضمونها، إذ تأتي في لحظة مفصلية من مسار الصراع السوري، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع التحولات السياسية الإقليمية والدولية. ولا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق بوصفه إجراءً تقنيًا أو أمنيًا محدودًا، بل كخطوة تحمل دلالات استراتيجية تتجاوز ساحات الاشتباك المباشر.

أولًا، يعكس الاتفاق إدراك الطرفين لكلفة الصدام المفتوح. فالجيش السوري يسعى إلى استعادة السيطرة التدريجية على كامل الجغرافيا السورية، لكن بأدوات أقل كلفة من المواجهة العسكرية الواسعة، خصوصًا في مناطق شرق الفرات ذات التعقيدات العشائرية والدولية. في المقابل، تدرك قسد أن الاستمرار في حالة الاشتباك أو القطيعة مع دمشق يضعها في موقع هش، في ظل تراجع الهوامش الدولية المتاحة لها وتزايد الضغوط الإقليمية، ولا سيما التركية.

ثانيًا، يشكّل الاتفاق خطوة متقدمة نحو إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف في سوريا. فهو لا يقوم فقط على ترتيبات ميدانية أو أمنية، بل يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الإدارة المحلية، ودور القوى العسكرية غير النظامية، وآليات دمجها أو تنسيقها ضمن بنية الدولة. ومن هنا، يمكن اعتبار الاتفاق تمهيدًا لنموذج جديد من إدارة التعدد العسكري والسياسي، ولو بشكل مرحلي.

ثالثًا، يحمل الاتفاق رسالة مباشرة إلى الفاعلين الخارجيين. فهو يحدّ من هامش استخدام ورقة قسد في الصراعات الإقليمية، ويعزز موقع الدولة السورية في أي مفاوضات مقبلة تتعلق بالحل السياسي أو بالوجود العسكري الأجنبي. كما يساهم في تخفيف احتمالات التصعيد، ويقلّص فرص تحويل شرق سوريا إلى ساحة صراع بالوكالة.

رابعًا، على المستوى الأمني، يساهم الاتفاق في ضبط خطوط التماس، وتقليص الفوضى، وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات المشتركة، وعلى رأسها خلايا تنظيم داعش، التي تستفيد تاريخيًا من حالات الفراغ والتنازع بين القوى المحلية.

في الخلاصة، لا يُقاس نجاح هذا الاتفاق بما أُعلن عنه فور توقيعه، بل بمدى قدرته على الصمود والتنفيذ، وبإرادة الطرفين في تحويله من تفاهم اضطراري إلى مسار تراكمي. لكنه، في حدّه الأدنى، يشكّل خطوة كابحة للانفجار، ومؤشرًا على انتقال الصراع في شرق سوريا من منطق المواجهة إلى منطق إدارة التوازنات، وهو تطور لا يمكن التقليل من شأنه في المرحلة الراهنة.

إقرأ أيضاً: غرينلاند: الجزيرة الجليدية التي تتصارع عليها القوى الكبرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى