
رحل أحمد قعبور، ومعه طُويت صفحة من أجمل وأصدق صفحات الأغنية الملتزمة التي صاغت وجدان جيل كامل، ليس في لبنان فحسب، بل في كل زاوية من زوايا العالم العربي تؤمن بالحرية. رحل "صوت الرصيف" والناس الطيبين، الرجل الذي جعل من الموسيقى سلاحاً ناعماً في وجه الاحتلال والانكسار.
لم يكن قعبور مجرد ملحن أو مغنٍ، بل كان شاهداً على عصر من التحولات الكبرى. منذ صدحت حنجرته بـ"أناديكم" (قصيدة توفيق زياد) في السبعينيات، تحولت الأغنية من لحن عابر إلى نشيد يومي للمقاومين في الخنادق، وللطلاب في الميادين، وللأمهات الصابرات. لقد نجح في تحويل الوجع الفلسطيني والبيروتي إلى طاقة أمل تتجاوز الحدود الجغرافية.
برحيله، تفتقد بيروت -التي غنى لها "يا نبض الضفة" و"يا ست الدنيا"- واحداً من عشاقها المخلصين الذين لم يساوموا على المبدأ. عاش قعبور وفياً للبسطاء، ومات وهو يحمل حلم "القدس" في صوته الرخيم. غاب الجسد، لكن "أناديكم" ستبقى ترنيمة خالدة، تُذكّرنا دائماً أن الفن الحقيقي هو الذي ينحاز للإنسان، ويبقى حياً طالما هناك قلب ينبض بالحرية.
ارتبطت تجربة قعبور بشكل وثيق بمدينة بيروت، التي شكّلت مصدر إلهام دائم له، فغنّى لأحيائها وشوارعها وناسها، وعكس في أعماله تحوّلاتها من مدينة نابضة بالحياة إلى ساحة للصراع، ثم إلى رمز للصمود. لم تكن بيروت بالنسبة إليه مجرد مكان، بل كانت هوية وذاكرة جماعية، عبّر عنها في حفلاته ومشاركاته الثقافية التي غالباً ما كانت تُقام في مسارحها ومراكزها الثقافية.
كما تميّز قعبور بحضوره المسرحي والتربوي، حيث ساهم في أعمال موجهة للأطفال والشباب، واضعاً الفن في خدمة التوعية وبناء الوعي. وكان يؤمن بأن الأغنية ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة تغيير وتأثير في المجتمع.
إقرأ أيضاً: "معكم جوزاف عون مباشرة من الجنوب"!







