
وصلت الاشتباكات المتصاعدة في جنوب لبنان إلى داخل بلدة عيناثا، في مؤشر لافت على عمق التوغل الإسرائيلي البري وامتداده نحو قلب قضاء بنت جبيل. هذا التطور الميداني لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الجغرافي والاستراتيجي لهذه المنطقة، التي تمثل إحدى أكثر البقع حساسية في خريطة الجنوب اللبناني. اذ أعلن "الحزب" أمس أن مقاتليه يخوضون اشتباكات مباشرة مع قوة إسرائيلية داخل بلدة عيناثا، مؤكداً تدمير دبابة ميركافا إسرائيلية خلال المعركة.
تقع عيناثا على بعد ثلاثة كيلومترات فقط من الحدود مع إسرائيل، وتتوسط منظومة من البلدات المتشابكة؛ كونين شمالاً، وعيترون وبليدا شرقاً، وبنت جبيل غرباً وجنوباً. هذا الموقع يجعل منها عقدة ربط لا مجرد نقطة تماس، إذ تتحكم في شبكة طرق تصل جنوب لبنان بعمقه الداخلي وصولاً إلى البقاع. السيطرة عليها أو تهديدها يعني عملياً التأثير على حركة القوى والإمدادات في المنطقة بأسرها.
لا يمكن فهم ثقل عيناثا من دون استحضار جارتها الكبرى بنت جبيل، المدينة التي باتت تمثل العنوان الأبرز في هذه المرحلة من المواجهة. تاريخياً، كانت بنت جبيل ساحة المعركة الأكثر شراسة في حرب تموز 2006، حين استنزف "الحزب" القوات الإسرائيلية في شوارعها لأسابيع. اليوم، يتجه أحد المحاور الإسرائيلية نحو هذه المدينة عبر مارون الراس وعيتا الشعب ورامية، وتندرج الاشتباكات في عيناثا ضمن هذا المحور تحديداً. الوصول إلى عيناثا يعني الاقتراب من الضلع الجنوبي الشرقي لبنت جبيل، وهو ما يُضيّق الخناق على المدينة من أكثر من اتجاه.
ثلاثة محاور وضغط متقاطع
يسير التوغل الإسرائيلي وفق ثلاثة محاور متوازية؛ الأول باتجاه دير سريان نحو نهر الليطاني، والثاني على امتداد الساحل بدعم بحري، والثالث يهدف إلى فصل المحورين الشرقي والغربي عن بعضهما. اشتباكات عيناثا تقع في قلب هذا المحور الأوسط-الشرقي، ما يعني أن ما يجري هناك ليس اشتباكاً معزولاً بل جزء من خطة ضغط متكاملة تستهدف تطويق المنطقة وقطع تواصلها الداخلي.
غير أن ثمة حدوداً للتمدد البري الإسرائيلي تفرضها طبيعة التضاريس اللبنانية. يرى الخبراء العسكريون أن تدمير الجسور الأساسية وتعقيد المشهد الجغرافي يجعلان من الليطاني سقفاً عملياً لهذا التوغل، لا منطلقاً للعبور. في المقابل، يُصرّح المسؤولون الإسرائيليون صراحةً بأن هدفهم جعل الليطاني خط الأمان الجديد، بمعنى إفراغ المنطقة الممتدة جنوبه من أي تواجد مسلح.
وصول الاشتباكات إلى عيناثا ليسا حدثاً عابراً في سجل يومي حافل. إنه يكشف أن المعركة انتقلت إلى طور جديد، تتجاوز فيه خطوط التماس الأولى نحو الأعماق. ذلك كله يُنبئ بأن المعركة الحقيقية على خط بنت جبيل باتت على الأبواب، مع ما تحمله من دلالات رمزية وميدانية راسخة في ذاكرة المنطقة.
إقرأ أيضاً: هل وصل الجيش الإسرائيلي إلى الليطاني؟







