
دخلت ندى حمادة معوض التاريخ. الأكيد أنّها حين عيّنت سفيرة للبنان في واشنطن، لم تتوقع أن تكون أول مسؤول لبناني رسمي يجالس الإسرائيليين في مفاوضات مباشرة، منذ اتفاق 17 أيار 1983 والذي نص على ترتيبات أمنية وانسحاب إسرائيلي وعدم اعتداء بين البلدين وترتيبات اقتصادية وسياسية، لكنه انهار عام 1984 تحت ضغط داخلي لبناني ورفض سوري، ولم يدخل حيز التنفيذ الكامل.
أكثر من ساعتين أمضتها معوض وجهاً لوجه قبالة السفير الإسرائيلي في أميركا يحيئيل ليتر، وبرعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وبمشاركة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، في اجتماع تمهيدي عقد في مبنى الخارجية الأميركية، قبل الانطلاق في مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بينما اعتقد كثر أنّ هذا الاجتماع سيكون مقتضباً وسيقتصر على عرض كل طرف مطالبه قبل الإعلان عن موعد وموقع المفاوضات.
رغم ذلك، يقول المعنيون إنّ هذه المفاوضات مطوقة بالصعوبات والعراقيل، ولن تنتهي في وقت قريب، في ضوء التوغل العسكري الذي ينفذه الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان واستمرار الأعمال القتالية. يرى هؤلاء أنّ التعويل راهناً هو على المفاوضات الأميركية- الإيرانية المفترض أن تشهد جولة ثانية، لكي ترخي بثقلها على الملف اللبناني، إما تفيككاً للألغام، وإما تعقيداً.
ماذا يقول "الحزب"؟
في هذا السياق، علقت مصادر مسؤولة في "الحزب" على الاجتماع بالقول: "لم تكن نتوقع أي نتيجة إيجابية من المسار التفاوضي القائم، ولن نتوقع ذلك في المرحلة المقبلة"، معتبرة أن "توقيت هذا المسار لم يكن بريئاً، بل جاء بقرار من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بهدف ضرب مسار وقف إطلاق النار وتعطيله".
أوضحت المصادر أنّ "الانتقال إلى ما يُعرف بمسار بيروت – تل أبيب لم يكن سوى محاولة لخلق واقع سياسي بديل يفرغ أي جهد دولي من مضمونه، ويمنح إسرائيل وقتاً إضافياً للاستمرار في اعتداءاتها"، مشيرة إلى أنّ "لبنان يُدفع إلى تقديم هدية مجانية لإسرائيل، عبر الجلوس معها سياسياً، في وقت تواصل فيه قتل اللبنانيين من دون أي رادع".
في التقييم السياسي، شددت المصادر على أنّ "هذا المسار يراد منه إظهار لبنان في موقع الضعيف، ومنعه في الوقت نفسه من الاستفادة من الزخم الدولي لاجتماعات إسلام آباد، والتي كان يمكن البناء عليها للضغط باتجاه وقف العدوان". أضافت أنّ "الأولوية الوطنية في هذه المرحلة يجب أن تكون وقف القتل والتدمير واستباحة الأراضي اللبنانية، ووضع حد لمحاولات فرض وقائع ميدانية تهدف إلى احتلال قرى وبلدات في الجنوب".
ختمت المصادر بالقول إن "صورة المفاوضات كانت مؤلمة، وأظهرت لبنان في موقع ضعيف، من دون مراعاة تضحيات اللبنانيين الذين يدفعون أثماناً كبيرة دفاعاً عن كرامتهم وحقهم في العيش بأمان".
في بداية اللقاء، دعا روبيو إلى اغتنام "فرصة تاريخية" لتحقيق سلام دائم في لبنان، وقال "إنها فرصة تاريخية. ندرك أننا نواجه عقودا من التاريخ والتعقيدات التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة الفريدة وإلى الإمكانات المتاحة أمامنا". أضاف: "يتعلق الأمر بإنهاء عقود من نفوذ حزب الله في هذه المنطقة"، مشيرا إلى أن محادثات الثلاثاء تطلق "مسارا سيستغرق وقتا".
بينما غادرت السفيرة اللبنانية مبنى الخارجية الأميركية من دون الإدلاء بتصريح، قال السفير الإسرائيلي: "متفقون مع الجانب اللبناني على تحريره من قوات احتلال إيرانية هي حزب الله، وأبلغنا الجانب اللبناني أن أمن المدنيين ليس موضوع تفاوض، وحزب الله في أضعف حالاته وحكومة لبنان لم تستجب لموقفه الرافض للتفاوض". أضاف: "سنواصل المفاوضات مع لبنان خلال الأسابيع المقبلة، وبعد حل القضايا الأمنية سنعمل على معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل".
لاحقاً، صدر بيان مشرك أعربت خلاله واشنطن عن أملها في أن تتجاوز هذه المحادثات نطاق اتفاق عام 2024، وأن تفضي إلى اتفاق سلام شامل، كما لفتت إلى أن هذه المفاوضات قد تفتح المجال أمام مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار وتعافٍ اقتصادي للبنان، وتوسيع فرص الاستثمار لكلا البلدين.
بدورها، شددت الدولة اللبنانية على الحاجة الملحّة للتنفيذ الكامل لإعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في نوفمبر 2024، مؤكدةً مبادئ وحدة الأراضي والسيادة الكاملة للدولة، وداعيةً إلى وقف إطلاق النار واتخاذ إجراءات ملموسة لمعالجة الأزمة الإنسانية الحادة التي لا يزال يعاني منها البلد نتيجة النزاع المستمر.
أعلن ختاماً أن جميع الأطراف اتفقوا على إطلاق مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتم الاتفاق عليهما لاحقاً.
إقرأ أيضاً: التفاوض مع إسرائيل: هل يُلاحَق الموفدون بجرم التواصل مع العدو؟







