
مع اقتراب لحظة التوقيع على اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يبدو لبنان وكأنه يقف على عتبة مرحلة جديدة، وإن كانت معالمها لا تزال ضبابية. فالدخان المتصاعد من ساحات المواجهة خلال الأشهر الماضية لم ينقشع بالكامل بعد، إلا أن المؤشرات المتوافرة توحي بأن الساحة اللبنانية ستكون من أوائل الساحات التي ستتأثر بنتائج التفاهم المنتظر بين واشنطن وطهران، ولا سيما بعدما أصرت الأخيرة على إدراج الملف اللبناني ضمن بنود الاتفاق، باعتباره أحد الملفات الأكثر حساسية في المشهد الإقليمي.
في انتظار ما ستؤول إليه الساعات المقبلة، يتقدم الحديث عن تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره أحد أبرز المكاسب المباشرة للاتفاق. فبعد أشهر طويلة من التوتر والاشتباكات والضربات المتبادلة، يلوح في الأفق احتمال انتقال الجبهة اللبنانية من منطق النار المفتوحة إلى منطق التهدئة المنظمة، ولو بصورة مؤقتة. غير أن هذا التطور، على أهميته، لا يعني أن لبنان بات على مشارف الحل النهائي، لأن وقف إطلاق النار شيء، ومعالجة أسباب الصراع شيء آخر تماماً.
فالهدوء المنتظر لا يبدد المعضلة الأساسية المتمثلة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لحوالي 6 كيلومترات من الأراضي اللبنانية. ومن هنا، تبدو فترة الستين يوماً التي سيتيحها الاتفاق أشبه بممر سياسي ضيق، يحمل في داخله احتمالات متناقضة بين التسوية والانفجار.
أصحاب النظرة المتفائلة يرون أن هذه المهلة قد تشكل فرصة تاريخية أمام واشنطن وطهران لاستكمال بناء تفاهم واسع يتجاوز حدود الملف النووي أو الأمني المباشر، ليصل إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية برمتها. وفي هذا السيناريو، يصبح لبنان جزءاً من لوحة أكبر يجري إعدادها للمنطقة، بما قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تعالج ملف الحدود والاحتلال وتؤسس لمرحلة أكثر استقراراً.
في المقابل، ثمة من ينظر إلى المشهد بعين أكثر حذراً. فبالنسبة إلى هؤلاء، لن يكون وقف إطلاق النار سوى هدنة هشة معلقة على خيط رفيع من التفاهمات المؤقتة. ذلك أن إسرائيل قد تلتزم بالتهدئة طالما أنها تخدم حساباتها الآنية، لكنها لن تتردد في تجاوزها إذا رأت أن مصالحها الأمنية تتطلب ذلك. ولذلك يخشى كثيرون أن تتحول فترة الستين يوماً إلى سباق بين الدبلوماسية والوقائع الميدانية، حيث يكفي حادث أمني واحد أو اشتباك محدود لإعادة إشعال الجبهة من جديد.
ويزداد هذا القلق مع الاعتقاد السائد بأن أي اتفاق أميركي – إيراني، مهما كان حجمه، لن يكون كافياً وحده لضمان التزام إسرائيل الكامل بمندرجاته. فتل أبيب تنظر إلى المنطقة من منظار مصالحها الخاصة، وقد لا تجد نفسها ملزمة بأي تفاهم لا يراعي شروطها أو لا يحقق أهدافها الاستراتيجية.
وفي قلب هذه المعادلة يبقى الاحتلال الإسرائيلي العقدة الأكثر تعقيداً. فالمساحات التي تسيطر عليها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية لا تمثل مجرد تفصيل جغرافي أو أمني، بل تشكل جوهر النزاع نفسه. ولهذا السبب، فإن أي مفاوضات جدية خلال المرحلة المقبلة ستصطدم سريعاً بسؤال الانسحاب الإسرائيلي وشروطه.
هنا تحديداً تبدأ المعضلة الحقيقية. فإسرائيل تربط أي انسحاب كامل بتسليم سلاح حزب الله بصورة نهائية، فيما يرفض" الحزب" ومن خلفه حلفاؤه تحويل سلاحه إلى ثمن مسبق لإنهاء الاحتلال. وبين الشرط الإسرائيلي والرفض المقابل تتسع الهوة، ويصبح الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً مما توحي به أجواء الاتفاقات والبيانات الدبلوماسية.
لذلك، قد يكون تثبيت وقف إطلاق النار خطوة مهمة على طريق طويل، لكنه ليس نهاية الرحلة. فالستون يوماً المقبلة لن تكون مجرد مهلة زمنية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لقدرة التفاهم الأميركي – الإيراني على الصمود، ولإمكان ترجمة الهدوء العسكري إلى حلول سياسية دائمة. وحتى ذلك الحين، سيبقى لبنان معلقاً بين احتمالين: فرصة نادرة للخروج من دائرة الحروب، أو هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
إقرأ أيضاً: خط بعبدا- الضاحية… من دون حرارة!







