
تستمر الفوضى العارمة في تعميق أزمة قطاع الكهرباء، لتكشف عن خلل عميق يهدد بشرعنة الشلل التام في هذا المرفق الحيوي. وتأتي هذه التطورات على الرغم من خطة الكهرباء الجديدة التي أقرّتها الحكومة منذ أسبوع، والتي كان يُفترض بها أن تشكّل خريطة طريق للخروج من النفق المظلم؛ إذ سرعان ما اصطدمت بجدار الواقع السياسي والإداري المعقد الذي أفرغها من قيمتها التنفيذية.
فالأزمة اليوم لم تعد تتوقف عند حدود العجز التقني أو النقص في التغذية، بل تشعبت لتطال كيفية إدارة هذا الملف الحيوي، بعدما تحوّل إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية بدلاً من أن يكون أولوية خدمية وإصلاحية.
في صلب هذا المشهد، يتجلى الانقسام السياسي الحاد؛ فالوزير المعني، المحسوب على تكتل "القوات اللبنانية"، يجد نفسه مقيداً بالحسابات السياسية والتوجهات العامة لهذا الفريق، وهو ما يجعله هدفاً مستمراً للانتقادات والسهام السياسية، خصوصاً من جانب "التيار الوطني الحر". غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في التجاذبات التقليدية، ولا في طبيعة الهيكلية الإدارية أو شح الإمكانات المادية للوزارة، بقدر ما يتصل بأسلوب إدارة الملف بحد ذاته.
يبدو الوزير متخبطاً ومتردداً في قراراته التي يتسم بعضها بالارتجالية، من دون أن تمتلك الوزارة منظومة دفاعية قادرة على حماية الوزير في أدائه. وما يزيد الوضع تعقيداً هو محاولة "القوات" الدفاع عن الوزارة، بأسلوب يفتقر إلى الدراية الكافية بملف الكهرباء المعقد، ما يضعف موقف الوزير بدلاً من تقويته.
يضاف إلى ذلك افتقار الوزير للشخصية القيادية التي تتطلبها إدارة ملف يجمع بطبيعته بين التعقيدات التقنية، والإدارية، والسياسية؛ وهو ما دفعه إلى الهروب إلى الأمام عبر منح "الهيئة الناظمة" صلاحيات واسعة تتجاوز في كثير من الأحيان ضوابطها القانونية، في ظل غياب كامل لرؤية وزارية واضحة وآليات تنفيذية فعالة.
في المقابل، تمسك "حركة أمل" بمقاليد التأثير داخل هذا القطاع بأسلوب متماسك. تمتلك الحركة حضوراً نافذاً ومؤثراً داخل "رابطة الموظفين" وفي الكوادر الميدانية والمواقع القرار داخل "مؤسسة كهرباء لبنان"، مدعومة بشبكة تنسيق فاعلة تعقد اجتماعات دورية لمتابعة أدق تفاصيل هذا الملف. هذا النفوذ يمتد أيضاً إلى قلب "الهيئة الناظمة"، حيث تضمن "الحركة" توجيه القرارات عبر قنوات وتنسيق مباشر مع أكثر من طرف داخلها. هذا الواقع يمنح "أمل" قدرة عالية على فرض خياراتها، بالمقارنة مع باقي الأطراف والمستقلين من أعضاء الهيئة الذين يعانون من الشرذمة، ويفتقرون إلى مرجعية موحدة أو خطة عمل واضحة لإدارة القطاع.
نتيجة لهذا التباين في الأداء، يتجه قطاع الكهرباء بخطى متسارعة إما نحو انهيار كامل ومحتوم، أو نحو "خصخصة مشوهة" تُفصل على قياس المصالح السياسية، بحيث يبتلع القطاع الخاص المرفق العام ويستنزف أصوله، وهو سيناريو يخدم مباشرة القوى السياسية النافذة، وفي مقدمها حركة "أمل"، المتمكّنة إدارياً من القطاع.
الغريب في الأمر أنه على الرغم من الخصومة بين "القوات اللبنانية" و"حركة أمل"، إلا أن هذا الخلاف يتلاشى عندما يتعلق الأمر بالتفاهمات العملية داخل القطاع. وفي ظل هذا المشهد، يقف كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على مسافة بعيدة من المطبخ الإجرائي، حيث يكتفيان بدور المتقبل للمعطيات والتقارير من دون أي تدخل فاعل لإدارة الأزمة أو تصحيح مسارها.
تتلخص الصورة اليوم في وجود فريق يمارس سياسته بهدوء، بخطة مدروسة، ونَفَس طويل، لتعزيز نفوذه تدريجياً تمهيداً للإطباق الكامل على قرار القطاع وإدارته، مقابل فريق آخر غارق في الارباك، وعاجز عن مواكبة التطورات أو المبادرة. وفي خضم هذا الصراع، يبرز مسعى متزايد لشرعنة وتثبيت واقع "المولدات الخاصة" كبديل دائم، وسط علامات استفهام كبرى حول سر صمت الصناديق الدولية المانحة والبنك الدولي عن هذه الفوضى العارمة التي تجتاح القطاع ودون توجيه أي مساءلة جدية للسلطات المعنية.
الخطة رقم 9!
منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، لم يغب ملف الكهرباء عن طاولات الحكومات المتعاقبة، إذ شهد القطاع ما لا يقل عن ثماني خطط إصلاحية رئيسية، وضعها أو أشرف عليها عدد من وزراء الطاقة، من دون أن تنجح أي منها في إخراج لبنان من أزمة التقنين المزمنة. فقد بدأت المحاولات مع برامج إعادة تأهيل القطاع في أوائل التسعينيات، ثم جاء قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 عام 2002 في عهد الوزير محمد عبد الحميد بيضون، واضعاً إطاراً لإعادة هيكلة القطاع وإنشاء الهيئة الناظمة.
في عام 2006 طرح الوزير محمد فنيش ورقة إصلاحية، تلتها خطة الوزير آلان طابوريان عام 2008. أما المحطة الأبرز فكانت مع "ورقة سياسة قطاع الكهرباء" التي أطلقها الوزير جبران باسيل عام 2010، قبل أن يجري تحديثها عام 2017 في عهد الوزير سيزار أبي خليل، ثم أعادت الوزيرة ندى البستاني طرح خطة تطويرية جديدة عام 2019.
مع تفاقم الانهيار المالي، أقرت حكومة نجيب ميقاتي عام 2022 "الخطة الوطنية للنهوض المستدام بقطاع الكهرباء"، التي تبناها الوزير وليد فياض كأساس للإصلاح، قبل أن تتواصل محاولات تنفيذها وتحديثها خلال عامي 2024 و2025 مع إطلاق مسار تعيين الهيئة الناظمة، وإعادة هيكلة القطاع، واستقطاب التمويل والاستثمار، في عهد الوزير جو صدي، واستمر اعتمادها كالإطار المرجعي الرسمي لسياسات وزارة الطاقة خلال عام 2026. وتعدّ الخطة التي أقرّتها الحكومة الأسبوع الماضي، التاسعة في تسلسل الخطط الخاصة بقطاع الكهرباء.
إقرأ أيضاً: خطاب السفارة: مع وضد!







