قصة كبيرة

بري بين رفض الاتفاق… والغنج الأميركي

يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في قلب المشهد السياسي الذي يرافق تنفيذ "اتفاق الإطار" والإنطلاق في مشروع المناطق التجريبية في جنوب لبنان، في موقع يبدو أكثر تعقيداً مما توحي به مواقفه العلنية، حيث يتمسك برفضه للاتفاق، وقد بلغ الأمر حد وصفه بأنه "مشروع فتنة"، في انسجام واضح مع موقف حليفه "حزب الله" الرافض لأي مسار يُفهم منه أنه يكرّس تطبيعاً أمنياً مع إسرائيل. إلا أن هذا الموقف لم يمنع من تصاعد التساؤلات حول حقيقة مقاربته للمرحلة، ولا سيما بعد الإشادة التي وجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى دوره، والتي فتحت الباب أمام كثير من التأويلات بشأن طبيعة الرسائل المتبادلة بين عين التينة وواشنطن.

يؤكد مطلعون على مسار الاتصالات أن الإشادة الأميركية لم تأتِ من فراغ، بل تعكس قناعة لدى الإدارة الأميركية بأن بري، رغم اعتراضاته المعلنة، لا يعمل على تعطيل المسار القائم، بل يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ويمرر من خلال الوسطاء، رسائل تفيد بأنه لا يعارض تحقيق تقدم في تنفيذ التفاهمات.

بحسب هذه الأوساط، فإن بري يدرك أن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة، وأن أي انهيار للمسار الحالي قد يعيد الجنوب إلى دائرة المواجهة العسكرية، وهو ما لا يصب في مصلحة أحد. لذلك، فإنه يفضّل، من دون أن يتبنى الاتفاق علناً، عدم الوقوف في وجه أي خطوات من شأنها تثبيت الاستقرار، وفسح المجال أمام الدولة لمتابعة المسار الذي يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع بري الانتقال من هذا الدور المتمايز إلى موقف سياسي أكثر وضوحاً؟

المتابعون يستبعدون ذلك في المدى المنظور. فكل ما يتسرب من داخل الدائرة السياسية المحيطة برئيس المجلس يوحي بأن أي تمايز علني عن موقف "حزب الله" يبقى بالغ الصعوبة، ليس بسبب غياب القناعة بضرورة حماية الاستقرار فحسب، بل أيضاً انطلاقاً من الحرص على الحفاظ على وحدة الموقف الشيعي ومنع ظهور أي انقسام داخل الثنائية الشيعية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.

ترى هذه الأوساط أن بري يدرك تماماً أن أي اختلاف معلن مع "حزب الله" في ملف بحجم اتفاق الإطار أو المناطق التجريبية سيُفسَّر على أنه بداية تصدع داخل الثنائي، وهو أمر يحرص على تجنبه، سواء لأسباب داخلية تتعلق بتماسك البيئة السياسية والشعبية، أو لأسباب إقليمية مرتبطة باستمرار الترابط بين الساحة اللبنانية ومسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية.

لذلك، يرجح المتابعون أن يواصل بري اعتماد السياسة نفسها خلال المرحلة المقبلة: خطاب علني متشدد ينسجم مع موقف الثنائي الشيعي، يقابله سلوك سياسي أكثر براغماتية، يقوم على عدم عرقلة المسار، وتشجيع رئيس الجمهورية على المضي في مقاربته، على أمل أن تفضي هذه السياسة إلى تحقيق انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتثبيت الاستقرار في الجنوب، من دون أن يجد نفسه مضطراً إلى خوض مواجهة سياسية مع حليفه "حزب الله".

بذلك، يبدو أن رئيس المجلس يحاول إدارة معادلة شديدة الدقة: الحفاظ على تماسك الثنائي الشيعي من جهة، وعدم إغلاق الباب أمام المبادرات الدولية التي قد تخرج لبنان من دوامة التصعيد من جهة أخرى. وهي معادلة قد تبقى قابلة للاستمرار ما دامت التطورات الميدانية والسياسية لا تفرض على بري الانتقال من منطقة الغموض إلى حسم الخيارات بصورة نهائية.

إقرأ أيضاً: المناطق التجريبية: احتلال "لايت"؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى