
في ليلة ستبقى محفورة في ذاكرة كرة القدم، اعتلت إسبانيا عرش العالم للمرة الثانية في تاريخها، بعدما توّجت بطلةً لكأس العالم 2026 إثر فوزها على الأرجنتين بهدفٍ نظيف بعد شوطين إضافيين، في نهائي اتّسم بالإثارة والتكتيك والانضباط، وأعاد إلى الأذهان أعظم النهائيات التي شهدتها البطولة عبر تاريخها.
المواجهة التي احتضنها ملعب نيويورك - نيوجيرسي جمعت بين بطل أوروبا وحامل لقب العالم، وبين جيل إسباني شاب يقوده لامين يامال، وآخر أرجنتيني يخوض آخر فصول العصر الذهبي بقيادة الأسطورة ليونيل ميسي. لذلك، لم يكن النهائي مجرد مباراة على الكأس، بل صراعاً بين مدرستين كرويتين، وبين الماضي الذي صنع المجد، والمستقبل الذي جاء ليؤسس لحقبة جديدة.
فرض المنتخب الإسباني شخصيته منذ الدقائق الأولى، وسيطر على الكرة بصورة شبه كاملة، معتمداً على الاستحواذ والتمريرات القصيرة والتحركات المستمرة في وسط الملعب. ونجح رودري وفابيان رويز في التحكم بإيقاع اللقاء، فيما شكّل لامين يامال ونيكو ويليامز مصدر الإزعاج الدائم للدفاع الأرجنتيني، إلا أن الحارس إيميليانو مارتينيز وقف سداً منيعاً أمام كل المحاولات، مقدماً واحدة من أفضل مبارياته بقميص “الألبيسيليستي”.
في المقابل، بدا المنتخب الأرجنتيني أكثر حذراً، مفضلاً التراجع إلى مناطقه والاعتماد على المرتدات، بينما وجد ليونيل ميسي نفسه محاصراً برقابة دفاعية محكمة حدّت كثيراً من خطورته. ومع مرور الوقت ازدادت معاناة الأرجنتين، خصوصاً بعد طرد إنزو فرنانديز في الدقائق الأخيرة من الوقت الأصلي، لتكمل المباراة بعشرة لاعبين، وهو ما منح الإسبان أفضلية واضحة في الأشواط الإضافية.
ورغم كثافة الهجمات الإسبانية، بقي التعادل سيد الموقف حتى الدقيقة 106، عندما نجح البديل فيران توريس في استثمار تمريرة رأسية متقنة من نيكو ويليامز، ليسدد الكرة في الشباك معلناً الهدف الذي منح “لا روخا” لقباً عالمياً طال انتظاره منذ مونديال جنوب أفريقيا عام 2010. حاولت الأرجنتين العودة في الدقائق المتبقية، لكن التنظيم الدفاعي الإسباني حال دون أي مفاجأة حتى صافرة النهاية.
هذا التتويج لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة مشروع كروي متكامل أعاد إسبانيا إلى قمة الكرة العالمية. فقد قدم الفريق بطولة استثنائية، بدأها بثبات ثم واصل مشواره بإقصاء منتخبات قوية مثل البرتغال وبلجيكا وفرنسا، قبل أن يحسم النهائي أمام الأرجنتين، مؤكداً أنه الأكثر توازناً والأفضل أداءً طوال البطولة.
كما كرّس اللقب بروز جيل جديد يقوده لامين يامال، إلى جانب أسماء مثل نيكو ويليامز وباو كوبارسي، مع الخبرة الكبيرة التي وفرها رودري، ليجمع المنتخب الإسباني بين الشباب والنضج في توليفة مثالية صنعت الفارق في أصعب المباريات.
أما الأرجنتين، فرغم خسارة اللقب، فقد خرجت مرفوعة الرأس بعد مشوار بطولي، ونجحت في بلوغ النهائي للمرة الثانية توالياً، مؤكدة أنها ستبقى واحدة من القوى الكبرى في كرة القدم العالمية، حتى وإن انتهت الرحلة هذه المرة من دون الاحتفاظ بالكأس.
وبانتصارها في النهائي، أعادت إسبانيا كتابة التاريخ، وأعلنت انطلاق حقبة جديدة قد تمتد لسنوات، بعدما أثبتت أن الكرة الجميلة، حين تقترن بالانضباط والفعالية، قادرة دائماً على اعتلاء قمة العالم. لقد كان مونديال 2026 تتويجاً لمشروع طويل، وكانت صافرة النهاية إعلاناً رسمياً لعودة “لا روخا” إلى عرش كرة القدم العالمية.
إقرأ أيضاً: فرنسا وإنكلترا… معركة حفظ الكبرياء وخطف البرونزية







