بالريشة

توم بارّاك… وسقط القناع

ليست المرة الأولى التي يخلع فيها توم بارّاك قفازات الدبلوماسية ليكشّر عن أنياب "المقاول" الباحث عن نجاح سريع ومثمر. في المرة الأولى فعلها حين وقف على منبر رئاسة الجمهورية مهدداً بترك المؤتمر إذا استمرّت الأمور بـ"الفوضى" أو "التصرفات الشبيهة بالحيوانات" من قبل الصحافيين، ودعاهم إلى أن يتصرّفوا "بحضارة، بلُطف، بتسامح".
ها هو ينزع القناع عن وجهه في مخاطبته "الحزب" وإيران من خلفه، ليقول بوضوح "نحن بحاجة إلى قطع رؤوس تلك الأفاعي وقطع تدفُّق الأموال. هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستوقف الحزب".
تخلى الدبلوماسي الآتي حديثاً إلى هذا العالم، من عالم "البيزنس" والصفقات، عن قواعد اللياقات، ليعلن إنّ "كل ما يفعله لبنان هو الكلام ولم يحدث أي عمل فعلي وعلى الحكومة اللبنانية أن تعلن بوضوح أنها ستنزع سلاح "الحزب"… قبل أن يعود بعد ساعات قليلة ليلطّف حديثه مشيراً إلى أنّ "الولايات المتحدة الأميركية تواصل دعمها لمساعي لبنان في إعادة بناء دولته، وإيجاد السلام مع جيرانه، ومواصلة سعيه لتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية".
لكن الرجل ذاته، حين كان لا يزال في صدد التودد إلى اللبنانيين، وبينهم الشيعة، في محاولة لإقناعهم بفائدة نزع السلاح. اذ قال إن المقترحات الأميركية حول نزع السلاح ليست موجهة ضد المجتمع الشيعي، بل هي جزء من "قرار لبناني" يتطلب تعاون الجميع، بمن فيهم الشيعة، وأن الشيعة هم لبنانيون ويجب أن يُراعي مصالحهم أيضاً. وربط نزع السلاح بإعادة السلام والازدهار للجميع.
في الواقع، يظهر التدقيق في كلام بارّاك، وهو في الحقيقة يكثر من التصريح والإطلالات الإعلامية بشكل لا يتناسب مع موقعه كدبلوماسي، أنّه وقع أكثر من مرة في مطب التعبير عن أفكاره. الأرجح أنّه يميل أحياناً إلى قول الأمور كما هي، فتعيد إدراته دفعه للتصويب، وأحياناً أخرى يكثر من الأخطاء، أو "التخبيص" كما قال وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة الذي أسهب في انتقاد أسلوب بارّاك وفي التصويب على فجواته الثقافية.
تكفي مثلاً استعادة شريط مواقفه من اتفاق سايكس بيكو للتدليل على أنّه يقول الشيء ونقيضه!
اذ وصف مرة هذه الاتفاقية بأنّها "قسّمت سوريا والمنطقة بشكل أوسع ليس من أجل السلام، بل لأجل مكاسب إمبريالية"، قال إن "هذا الخطأ التاريخي كلَّف أجيالاً، وإن الولايات المتحدة لن تكرر هذا الخطأ".
استخدم تعابير مثل "الخرائط المفروضة"، "الحدود المصطنعة"، و"السيطرة الأجنبية" للدلالة على أن الحدود الحالية في الشرق الأوسط هي نتيجة لتدخلات خارجية وليس تعبيراً عن واقع شعوب المنطقة.
ثم عاد وقال إن "سوريا- كمثال- تنوء تحت تأثير هذه الحدود منذ عشرات السنين، وإن إعادة النظر في بعض هذه الحدود أو مراجعتها يمكن أن تساعد في التخفيف من الانقسامات والصراعات".
هل هذا يعني أنّه مقتنع بالاتفاق؟ أم هو رافض له كونه خطأ؟ يريد تكريس الواقه الناجم عنه أو الانقلاب عليه؟ لا شيء واضحاً.
الأكيد أنّ الرجل، وبعدما اكتشف أنّ الملف اللبناني أشبه بمستنقع يصعب الخروج منه من دون وحول تترك آثارها على مساره ومصيره، كشف عن حقيقة موقفه، وقال الأمور كما هي من دون تكلف أو مساحيق تجميل لينعي دوره على طريقة أنّه "لن أضيع وقت الرئيس بعد الآن بالكلام"، ولن يزور لبنان إلا بعدما "يستيقظ اللبنانيون من غفلتهم".

إقرأ أيضاً: ممنوع التجوّل في نيويورك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى