
عبد الرزاق طالب
تبدأ الدورة الاقتصادية دائمًا من المواطن، ذلك الكائن البسيط الذي يستيقظ قبل شروق الشمس، يكدّ طوال النهار، ويعود آخر المساء محمّلًا بالتعب والهموم. يعمل لا ليعيش بكرامة، بل ليبقى على قيد الحياة فقط. راتبه لا يُعدُّ مالًا، بل مجرد وسيلة لعبور الشهر بسلام… إن استطاع.
في نهاية كل شهر، يقف المواطن أمام راتبه كما يقف الجندي الأعزل أمام جيش مدجج بالسلاح. الكهرباء أولًا: فاتورة كأنها عقوبة لا خدمة. الهاتف: ضرورة تحوّلت إلى عبء. الإنترنت: باب العالم الذي أصبح سلاسل تربطه بالفقر. وما إن ينتهي من دفع هذه الثلاثية القاتلة، حتى يكتشف أنّ راتبه قد تبخّر قبل أن يشتري خبزًا أو دواءً أو ملابس.
هنا تدخل الدولة إلى المسرح بدور "الحامي"، لكنها في الواقع تمسك بسوط الضرائب. كل شيء يُفرض عليه ضريبة: دخله، طعامه، تنقّله، حتى أنفاسه لو استطاعوا تسعيرها لفعلوا. يقال إن الضرائب لخدمة المواطن، لكن المواطن لا يرى من هذه الخدمات سوى الفواتير تتضخم والرواتب تتقلص.
الدولة ترفع الضرائب بحجة الإصلاح، والمواطن يدفع بحجة أنه لا يملك خيارًا. هكذا تدور العجلة: المواطن يعمل، الدولة تأخذ، المواطن يستهلك، الدولة تفرض، والمواطن يختنق. دورة اقتصادية مغلقة عنوانها: اعمل لتدفع، وادفع لتبقى فقيرًا.
أما العدالة الاقتصادية، فهي كلمة تُكتب في التقارير ولا تُرصد في الواقع. الغني يعرف كيف يتهرّب، والفقير يُمسك من عنقه. المواطن البسيط هو دائمًا الحلقة الأضعف، الهدف الأسهل، والمحفظة المفتوحة دائمًا.
لقد تحوّل العمل من وسيلة للكرامة إلى وسيلة للبقاء فقط. تحوّل الراتب من أجر إلى دين مؤجل. تحولت الدولة من راعية إلى جابية ضرائب محترفة. المواطن لا يطلب المستحيل: لا قصور، ولا امتيازات، بل فقط أن يعمل ليعيش، لا أن يعمل ليدفع.
هكذا تستمر المسرحية كل شهر: راتب يُولد ميتًا، فواتير بلا رحمة، ضرائب بلا خجل، ومواطن يسأل نفسه: هل أنا في دورة اقتصادية متكاملة… أم في فخ؟
إقرأ أيضاً: ماذا تعني "إعرف عميلك إلكترونياً"؟







