
يُعدّ محمد جواد ظريف أحد أبرز مهندسي الدبلوماسية الإيرانية في العقود الأخيرة، إذ ارتبط اسمه مباشرة بمسار التفاوض مع الغرب، ولا سيما خلال المحادثات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. بفضل خبرته الطويلة وعلاقاته الواسعة، لعب ظريف دوراً محورياً في بناء قنوات تواصل مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، معتمداً أسلوباً براغماتياً يجمع بين الدفاع عن المصالح الإيرانية والانفتاح على التسويات.
تميّز ظريف بقدرته على إدارة المفاوضات المعقّدة، حيث شكّل واجهة إيران الدبلوماسية في أصعب المراحل، مقدّماً خطاباً هادئاً ومقنعاً للمجتمع الدولي. وقد ساهم حضوره في تخفيف حدّة التوتر، وفتح المجال أمام اتفاقات مرحلية، ما جعله يحظى باهتمام واسع داخل إيران وخارجها.
إلا أنّ غيابه عن المشهد في المرحلة الحالية يطرح العديد من التساؤلات. فبحسب معطيات سياسية، يعود هذا الغياب إلى تحوّل في موازين القوى داخل النظام الإيراني، حيث باتت الكلمة الأعلى للتيار المحافظ الذي يفضّل اعتماد نهج أكثر تشدداً في التعامل مع الغرب. وفي هذا السياق، تراجعت أدوار الشخصيات المحسوبة على الخط الدبلوماسي المرن، ومن بينها ظريف.
كما يُعزى ابتعاد ظريف إلى طبيعة المرحلة الراهنة، التي يغلب عليها الطابع الأمني والعسكري أكثر من الدبلوماسي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. فالمفاوضات، وإن استمرّت بشكل غير مباشر، باتت تُدار عبر قنوات ضيقة وبعيدة عن الأضواء، ما يقلّل من الحاجة إلى شخصيات ذات حضور إعلامي بارز.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال العامل الشخصي، إذ سبق لظريف أن تعرّض لانتقادات داخلية حادة، خاصة بعد تسريب تسجيلات أثارت جدلاً حول دور الدبلوماسية في مقابل المؤسسة العسكرية. وقد أسهم ذلك في تقليص هامش تحرّكه وإبعاده نسبياً عن الواجهة.
في المحصلة، يبقى محمد جواد ظريف شخصية مفصلية في تاريخ التفاوض الإيراني، لكن غيابه الحالي يعكس تحوّلاً في أسلوب إدارة الملف، حيث تتقدّم الحسابات السياسية والأمنية على الدبلوماسية التقليدية، بانتظار تغيّر الظروف التي قد تعيد له دوراً في المستقبل.
إقرأ أيضاً: قاليباف والجنرالات: رقصة الموت فوق أنقاض "النووي"







