بالريشة

قاليباف والجنرالات: رقصة الموت فوق أنقاض "النووي"

يُعد محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، اليوم أحد أخطر وأهم الوجوه السياسية في طهران، خاصة بعد الزلزال العسكري والسياسي الذي ضرب البلاد في فبراير ومارس 2026. برز قاليباف كـ"رجل اللحظات الحرجة" و"مهندس المرحلة الانتقالية" التي تلت مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي.

وُلد قاليباف عام 1961 في مشهد، وانخرط مبكراً في الحرس الثوري (IRGC) خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث تولى قيادة فرقة "نصر 5" وهو لا يزال في مقتبل العمر. حصل لاحقاً على رخصة طيار عسكري، وقاد القوة الجوية للحرس الثوري، مما منحه قاعدة صلبة داخل المؤسسة العسكرية الأكثر نفوذاً في إيران. هذه الخلفية جعلت منه حلقة وصل حيوية بين "البزة العسكرية" و"العباءة السياسية".

شغل قاليباف منصب عمدة طهران لمدة 12 عاماً (2005-2017)، وهي الفترة التي بنى فيها سمعته كـ"إداري ينجز الأمور"، رغم ملاحقة اتهامات بالفساد لعائلته. عام 2020، اعتلى سدة رئاسة البرلمان، ليثبت قدميه كأحد أقطاب التيار المتشدد. تميّز قاليباف بقدرته على قمع الاحتجاجات الداخلية (كما حدث في 1999 و2025-2026) مع الحفاظ على خطاب "براغماتي" تجاه الخارج عند الضرورة.

بعد ضربة 28 شباط 2026 التي استهدفت القيادة في طهران، لم يكتفِ قاليباف بالدور التشريعي؛ بل تحول إلى "قناة اتصال" استراتيجية. في ظل غياب أو اختفاء العديد من صقور النظام، حيث طرحت تقارير دولية (مثل واشنطن بوست وبوليتيكو) اسم قاليباف كـ"محاور محتمل" لإدارة دونالد ترامب، بوصفه شخصية قادرة على لجم الحرس الثوري والتفاوض على نهاية للحرب.

رغم نفيه القاطع لوجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، يرى المراقبون أن قاليباف هو "الظل الحقيقي" خلف المرشد الجديد مجتبى خامنئي. فهو من يدير غرفة عمليات الطوارئ السياسية، ويحاول موازنة الرد العسكري (عبر تهديداته بضرب السندات المالية الأميركية والمصالح الإسرائيلية) مع الحفاظ على ما تبقى من هيكلية الدولة الإيرانية.

إن قاليباف ليس مجرد رئيس برلمان؛ إنه "صمام الأمان" للنظام في أشد لحظاته ضعفاً، والوجه الذي قد يقود إيران إما نحو مواجهة انتحارية شاملة أو نحو تسوية مريرة تنقذ بقاء الجمهورية الإسلامية.

بالتوازي، تحدث بعض التقارير عن "صراع أجنحة" في طهران، بسبب الخلافات الصامتة والمحتدمة بين محمد باقر قاليباف وقيادات الحرس الثوري، حول كيفية الرد على استهداف المفاعلات النووية (خاصة بوشهر ونطنز) في آذار 2026:

1. مدرسة "العقلانية الصلبة" (قاليباف والفريق التكنوقراط)

يرى قاليباف، المنطلق من خلفية إدارية كعمدة سابق لطهران، أن النظام يواجه خطر "الانهيار الكلي" وليس مجرد خسارة عسكرية. ويرفض قاليباف الرد "العاطفي" أو العشوائي الذي قد يستدعي ضربة أمريكية قاضية لما تبقى من البنية التحتية للطاقة والاتصالات. ويدعو إلى "امتصاص الضربة" نووياً، والتركيز على الرد عبر الأذرع الإقليمية (العراق، اليمن، لبنان) لإبقاء الصراع بعيداً عن الأراضي الإيرانية قدر الإمكان، مع فتح قنوات دبلوماسية سرية عبر مسقط أو بغداد لتقليل الخسائر.

2. مدرسة "الرد المزلزل" (صقور الحرس الثوري)

في المقابل، ترى قيادات الحرس الثوري (التي نجت من ضربة شباط) أن عدم الرد المباشر من الداخل الإيراني على استهداف المفاعلات النووية يعني "نهاية هيبة الردع" للأبد. ويعتبرون استهداف النووي "خطاً أحمر وجودياً"، ويضغطون باتجاه استخدام الصواريخ الفرط صوتية (فتاح) لضرب منصات الغاز الإسرائيلية في المتوسط والقواعد الأمريكية في الخليج بشكل مباشر. هؤلاء يتهمون قاليباف بـ"التردد" ومحاولة تقديم نفسه للغرب كـ"بديل معتدل" (Gorbachev الإيراني) على حساب دماء القادة والمنجزات النووية التي استغرقت عقوداً لبنائها.

إقرأ أيضاً: إيران تُسلّم مفاتيح المرحلة لرجل الظل العسكري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى