
في الوقت الذي كانت فيه رئاسة الجمهورية تعلن عن بيانها الأول من نوعه، ترحيبها بالاتفاق الأميركي-الإيراني، والذي حَصَد موجة ترحيب عربية ودولية واسعة، كانت طائرة التجسّس الإسرائيلية تحلّق على علو منخفض فوق بيروت وضواحيها، بما في ذلك فوق قصر بعبدا والسراي الحكومي وعين التينة. في اللحظة نفسها أيضاً لهذا الإعلان لم تكن قد وصلت الصيغة النهائية الرسمية لاتفاق إسلام آباد إلى بعبدا، ولا ضمانات أميركية بأن وقفاً تامّاً للأعمال العسكرية قد حصل فعلاً، من شأنه أن يوقف التحرّك العسكري داخل الخط الأصفر وخارجه، والهدم وتفجير وجرف القرى، واستهداف المدنيين.
يقول متابعون إن بيان رئاسة الجمهورية تضمّن مفاصل أساسية يجدر التوقف عندها:
-بعكس كافة مواقف وبيانات رئاسة الجمهورية السابقة التي ركّزت على "حتمية فصل المسارات"، وعلى أن "لا أحد يفاوض عن لبنان"، بما في ذلك سعي الدولة اللبنانية لوقف إطلاق النار، الذي شكّل النواة الأساسية لكل مواقف الرئيس عون، فإنّ البيان الأخير لم يتطرّق إطلاقاً إلى هذه النقطة.
-بعكس الرئيس نبيه بري الذي نوّه بجهود ومساعي باكستان، وقطر، والسعودية، ومصر للوصول إلى التفاهم، آثر رئيس الجمهورية عدم ذكر إسم أي دولة، فتوجّه بالشكر إلى جميع الدول والجهات التي ساهمت في إنجاز المذكرة. ويقول العارفون إنّ عون تحاشى بذلك شكر الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالإسم، مع العلم، وفق معلومات مؤكدة، بأنّ الخطوط فتحت مجدداً بيه بعبدا والسفارة الإيرانية في لبنان، من خلال سفيرها "المطرود"، والتي جدّدت تأشيرة إقامته في لبنان.
-للمرة الأولى منذ بدء المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وخلافاً للمقاربة التي اعتمدتها رئاسة الجمهورية، تماماً كما رئاسة الحكومة، في فصل مسار هذه المفاوضات بشكل تامّ عن تأثيرات المستر الأميركي-الإيراني، تضمن بيان بعبدا قدراً لافتاً من الواقعية من خلال الاعتراف بشكل غير مباشر بهذا الربط إن من خلال الرهان على أن "تتحوّل هذه التفاهمات إلى خطوات عملية تضع حداً نهائياً لدوامة العنف، وتؤسّس لمرحلة من الاستقرار والأمن والتعافي وإعادة الإعمار"، أو شكر كل من "عمل على تضمين لبنان في الجهود الرامية إلى إنهاء التصعيد، ووقف الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات"، مع العلم أنّ طهران هي الدولة التي تولّت التسويق لجهدها في إدراج بند وقف إطلاق النار ضمن بنود الاتفاق.
-ثمّنت رئاسة الجمهورية ما تضمّنته المذكرة من "احترام للخصوصية اللبنانية، والإقرار بأن استقرار لبنان وأمنه يُشكّلان جزءًا لا يتجزأ من أي مسعى جدّي لترسيخ الاستقرار في المنطقة". فيما لم يُفهم ما كان المقصود من عبارة الخصوصية اللبنانية، فقد تفاجأ المتابعون أنّه بعد إصدار الرئيس عون بيانه بنحو ساعة، سرّبت معلومات مصدرها قصر بعبدا بأنّ "رئاسة الجمهورية لم تتبلّغ بشكل رسمي حتى الساعة بوقف إطلاق النار، وبتفاصيل الاتفاق". وإذا صحّ ذلك، فهذا يعني أنّ لبنان الرسمي تبلّغ بإنجاز الاتفاق من دون الوقوف على بنوده النهائية في ما يخصّ لبنان، ومع ذلك انهالت بيانات الترحيب بالاتفاق.
بمطلق الأحوال، أقرّت جهات سياسية بأنّ "الجزء اللبناني" من اتفاق واشنطن وطهران سيبقى موضع اختبار على المدى القريب لجهة مدى الالتزام بوقف النار والانسحاب الإسرائيلي، وبدء انسحاب "الحزب"، بشقه العسكري من جنوب الليطاني، لا سيّما وأن لبنان حتى يوم أمس لم يكن قد تبلّغ أي ضمانات في ما يخصّ وقف النار الشامل، بل واكب إسرائيل وهي تقصف وتفجّر مزيداً من المنازل في القرى الجنوبية.
لكن الأمر المؤكد، أنّ كل ما حدث في الساعات الماضية دفع البعض إلى التيقّن بأنّ تبعات الاتفاق الأميركي-الإيراني لن تتأخّر في الظهور، وأول الغيث "ترحيب" لبنان الرسمي بجهود واشنطن وطهران، وكل الدول الوسيطة، لإنجاز اتفاق سيكون حاضراً في كل تفصيل مرتبط بسلاح "الحزب"، وما بعد الحرب، لا سيما لجهة الأحاديث الجدّية جداً عن تسوية داخلية ستعيد "الحزب" إلى الطاولة، لا من موقع المنتصر أو المنهزم، بل "العائد" على صهوة التسوية الدولية-الإقليمية، والتي يواكبها حراك مكتوم الصوت، وبكافة الاتجاهات بين بعبدا و"الحزب"، وبعبدا والرئيس بري، تحت سقف تقارب سعودي-إيراني، ومظلة حماية قطرية-سعودية-مصرية.
إقرأ أيضاً: لبنان بعد الاتفاق: تغيير موازين أم تثبيت وقائع؟







