قصة كبيرة

قطر تلعب في الوقت المستقطع

تُسارع الدوحة الخُطى لإعادة تفعيل انخراطها في الملف اللبناني، تحت مسمى "مبادرة قطرية". غير أن العارفين يؤكدون أن ما يجري اليوم لا يرتقي، في الواقع، إلى مستوى "مبادرة" متكاملة الأركان؛ بل هو امتداد طبيعي لدور قطري لم يغادر الساحة اللبنانية أساساً، ولا يزال عند حدود النقاش الأولي حول قواعد المعالجات لا أكثر. هذا الدور لا ينتهي، بل يخفت بريقه أو يرتفع صخبه ربطاً بالظروف الإقليمية وتحولات موازين القوى.

اليوم، تتقاطع الظروف لتمنح الدوحة فرصة متجددة. فبينما كانت قطر تجلس كعنصر فاعل على طاولة مفاوضات سويسرا الأخيرة، قررت القيادة القطرية الاستفادة من هذا الزخم الدبلوماسي لتفعيل وتوسيع هامش حركتها في لبنان. ما يميز هذا التحرك، ويمنحه حيوية خاصة، هو أن قنوات التواصل بين الدوحة و"حزب الله" مفتوحة، ونشطة للغاية. هذا الخط المباشر يتيح للوسيط القطري مرونة لا تملكها أطراف عربية أو دولية أخرى، ما يجعل الدوحة مؤهلة للعب دور "صندوق البريد" أو صلة الوصل بين الضاحية الجنوبية والمجتمع الدولي.

في هذا السياق، تحاول قطر بوضوح اللعب في "الوقت المستقطع" الذي تتيحه وتفرضه مفاوضات سويسرا والمسارات الإقليمية الموازية. تسعى الدوحة، عبر حراكها الراهن، إلى وضع قواعد علاجية للأزمة اللبنانية. الهدف المضمر ليس صياغة حل متكامل، بل ترتيب البيت الداخلي اللبناني وتجهيز المسار السياسي المحلي، ليكون ناضجاً وقابلاً للربط الفوري بأي تسوية أو حل إقليمي ودولي قد تفضي إليه التفاهمات الكبرى.

مع ذلك، ثمة خطوط حمراء وقواعد اشتباك دبلوماسية تدركها الدوحة جيداً. الأهم في هذا المشهد هو أن قطر، في كل حراكها وجولاتها بين المقرات السياسية اللبنانية، لا تخرج أبداً عن المظلة السعودية. تدرك الدوحة أن الرياض هي مفتاح المعادلة العربية في لبنان، وأن أي تجاوز لهذا السقف سيعني ولادة ميتة لأي تحرك.

هذه المواءمة القطرية مع السقف السعودي تعيد إلى الأذهان تجربة الاستحقاق الرئاسي. يومها، كانت الدوحة شبه متيقنة، وبثقة مفرطة، أن خيارها الرئاسي الذي سوّقت له طويلاً وطبخت تفاصيله في الغرف المغلقة هو الذي سينجح وسيصل إلى قصر بعبدا. لكن المفاجأة الكبرى حدثت في الدقائق الأخيرة؛ إذ تدخلت المملكة العربية السعودية بثقلها السياسي والدبلوماسي، وقلبت الطاولة لتفرض توازنات جديدة أتت بقائد الجيش العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية. وفي لحظة واحدة، تبددت الرهانات القطرية، واضطرت الدوحة لإخلاء المنصة الرئيسية، والتراجع لتجلس على مقاعد المصفقين لمشهد صاغته الرياض بدقائقه.

بناءً على ذلك، يتضح أن الحراك القطري الراهن في بيروت ليس أكثر من محاولة استباقية لإنعاش الحضور وتثبيت موقع على طاولة الحلول القادمة، لكنه يظل حراكاً محكوماً بسقف التوافق الإقليمي، ومقيداً بكلمة الفصل التي تبقى دائماً في عهدة العواصم الكبرى، وتحديداً الرياض.

إقرأ أيضاً: قائد الجيش: لن ننجرّ إلى اشتباك مع "الحزب"

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى