
في لقائه مع أركان القيادة العسكرية، وقادة الوحدات والأفواج، وعدد كبير من الضباط بغية وضعهم في صورة التطوّرات الراهنة، ألقى قائد الجيش العماد رودلف هيكل الضوء على أكثر من مسألة ترتبط بشكل وثيق بتحدّيات المرحلة، وبدور الجيش راهناً، على ضوء التفاهمات التي ترتسم في المنطقة ولبنان.
قبل أيام من اللقاء زار هيكل قيادة قطاع جنوب الليطاني في صور، والتي حوصر عسكرها أكثر من مرة خلال الحرب الأخيرة، خصوصاً بعد ضرب الجيش الإسرائيلي لجسر القاسمية، كما زار فوج التدخل الثاني في الزهراني.
بعد اجتماع اليرزة صباح السبت، تفقّد قائد الجيش في اليوم التالي وحدات الجيش في القطاعات التي شهدت عدواناً إسرائيلياً فائق الوحشية خصوصاً في الأيام الماضية، إذ زار مناطق النبطية، والنبطية الفوقا، وكفررمان، وشوكين والزرارية، ومحيط بلدة كفرتبنيت، التي تمكّن الجيش الإسرائيلي في الفترة التي سبقت وقف إطلاق النار من التقدّم إلى بعض أطرافها، وكانت ستشكّل جسر العبور إلى مرتفع علي الطاهر المطلّ على النبطية، لكن تفاهمات إسلام آباد-سويسرا كانت أسرع، وأوقفت التقدّم الإسرائيلي.
حركة قائد الجيش الميدانية، التي لاقت ارتياحاً كبيراً لدى العسكر وأهل الجنوب، لا تنفصل عن كافة الخطوط التي يتحرّك تحت سقفها الجيش بإيعاز من السلطة السياسية، وإن أبدى العماد هيكل، منذ تعيينه قائداً للجيش، دقّة في مقاربة بعض الاستحقاقات الحسّاسة.
زيارة الجنوب في هذا التوقيت، وعشية جولة التفاوض المباشر اللبناني- الإسرائيلي في واشنطن، عَكست إبرازاً لدور الجيش في المرحلة المقبلة، والمهام الاستثنائية، الملقاة، والتي ستلقى على عاتقه، والترابط الوثيق بين المؤسسة العسكرية وأهل الجنوب، وأرضهم، لا سيّما بعد حملات تخوين كثيرة طالت الجيش، وصوّرته في موقع الطرف، أو الانحياز، والضعف.
المفارقة، أن بعض الأبواق، كشف عن وجهه القبيح في "الاعتداء" على الجيش، وتصويره مقصّراً وخاضعاً و"متلوّناً، في الوقت الذي كان يسقط له شهداء، ويدفع ضريبة كبيرة، بغياب موقف صارم للسلطة السياسية إزاء هذه الجريمة الإسرائيلية، التي تضاف إلى سلسلة جرائمها في قتل الأبرياء والأطفال والمدنيين...
قائد الجيش، في لقائه مع الضبّاط، أكد أن كل جرائم إسرائيل ضد العسكريين "مقصودة"، وبمثابة رسالة سياسية "لكنها لن تُخضِعنا"، فيما انكفأت السلطة السياسية تماماً عن اتّهام إسرائيل بالقتل القصدي والمباشر لعناصر الجيش وضبّاطه، حتى بعد سقوط ضابطين شهيدين، على طريق كفرتبنيت، أو طلب محاكمتها دولياً، أو أقلّه تعليق التفاوض المباشر إلى حين كشف إسرائيل عن خلفيات استهدافها للقوى العسكرية.
تطرّق قائد الجيش أيضاً إلى مسألة استهداف الجيش من الداخل، لكنه تناولها من زاوية مسؤولية الجيش في الحفاظ على "الأمن والاستقرار كأولوية وطنية، ومنع تحقيق الأهداف الإسرائيلية المتمثّلة بزعزعة الأمن الداخلي، والمؤسّسة ستواصل تنفيذ مهامها بحزم ومسؤولية لمنع أي تهديد للسلم الأهلي"، وفق البيان الرسمي الصادر عن الجيش.
لكن، وفق المعلومات، تحدّث قائد الجيش في لقاء اليرزة عمّن "يحاول استدراج الجيش لاشتباك بينه وبين "حزب الله"، وهذا لن يحصل لأن السلم الأهلي خط أحمر"، قائلاً "نتعرّض لهجوم من بعض الجهات، وبعضها ينادي بالأمن الذاتي، ولديه حسابات داخلية، لكن هذا الأمر لن يُثنينا عن القيام بكافة واجباتنا تجاه الشعب والوطن"، مشدّداً على "إيماننا بأن ما نقوم به هو الصحّ، والمسار الصحيح لحماية الوطن وأبنائه، وهو لن يؤثّر على عزيمة القيادة والعسكر"، لافتاً إلى أن "خلال زياراته لعائلات شهداء الجيش لمس اعتزازاً بتضحياتهم رغم الألم الكبير، وثقة راسخة بالجيش، وإيماناً بدوره الوطني"، مشدداً على ضرورة إبقاء "جسور الثقة قائمة بين الجيش والمواطنين".
فيما تقدّم ملف العلاقات اللبنانية السورية المشهد الداخلي، ربطاً بدعوات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرّرة للرئيس السوري أحمد الشرع "للدخول إلى لبنان وتولّي أمر حزب الله"، أشار قائد الجيش إلى العلاقة الجيدة مع السلطات السورية، والسيطرة على الحدود بفعل التنسيق اللبناني السوري، والوحدات المعنية بضبط الحدود تقوم بمهامها على أكمل وجه"، مؤكداً في الوقت عينه أن "السلطات الرسمية اللبنانية تلقت تأكيدات من جانب الرئيس السوري أحمد الشرع بأن القوات السورية ليست في وارد الدخول إلى لبنان أبداً، لأي سبب كان".
إقرأ أيضاً: ربط المسارات "بقوّة الأمر الواقع"







