قصة كبيرة

التهريب على الحدود: سيطرة أمنية ولكن

تجزم كافة المعطيات الأمنية بأنّ التهريب بين الجانبين اللبناني والسوري لا يزال قائماً، لكن بوتيرة أقل بكثير من السنوات والعقود الماضية، في ظل حدود مفتوحة وصعبة جغرافياً يصعب على أكبر جيوش العالم ضبطها بشكل صارم. وقد شكّلت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، نهاية الشهر الماضي، لقيادة الأفواج البريّة والثكنات في بعلبك وعكار — من ضمن زياراته التفقدية للعسكر في كافة المناطق — رسالةً بشأن الجهوزية العسكرية على الحدود، مؤكداً أن "أولوية القيادة هي الحفاظ على الاستقرار الداخلي والاستعداد لأي تطورات".

من إحدى أكثر التطورات المُقلِقة التي قد يواجهها لبنان: احتمال الدخول السوري ميدانياً على خط ملف لبنان، وهو ما تتقاطع كافة المعطيات حتى الآن على نفيه، أقلّه في المرحلة المنظورة. يقول مصدر سياسي مطلع لـ"الصوت نيوز": "للمفارقة السياسية، أحد أهمّ الموانع لدخول الجيش السوري إلى لبنان هو المانع الإسرائيلي، حيث هناك رفض مطلق لأي تمدّد للتركي في المنطقة، ومن أحد أوجهه دخول سوريا إلى لبنان".

وفق المصدر نفسه، يتوجّس السوري نفسه من هذا الاحتمال، خصوصاً أن المواجهة المحتملة مع "الحزب" على أراضٍ لبنانية ستكون أصعب من تلك التي خاضها على أرضه. ويستذكر المصدر واقعة شباط 2025، أي أحداث حوش السيد علي، والتي تجدّدت في آذار؛ إذ اندلعت يومها اشتباكات عنيفة على الحدود شمال شرق لبنان، أُستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة من صواريخ (أرض - أرض) وصواريخ مضادة للدروع وعربات مصفحة، ودخلت القوات السورية في اشتباك مباشر مع الحزب والعشائر، وكان ملف التهريب أحد العناصر الأساسية للنزاع.

في تلك الفترة تحديداً، وقّع وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى في 28 آذار مع نظيره السوري مرهف أبو قصرة في السعودية اتفاقيةً لترسيم الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا وتعزيز التنسيق الأمني الثنائي، على أن تُنشَأ "لجان قانونية ثنائية ومتخصّصة وتُفعَّل آليات تنسيق لمواجهة التهديدات الأمنية"، لكن الغلّة لا تزال دون المطلوب.

التهريب لا يزال على أنواعه على الحدود اللبنانية - السورية: من تهريب البشر، والبنزين والمازوت، والسلع الغذائية، وصولاً إلى تهريب المخدرات والكبتاغون والسلاح.

ترتدي مسألة تهريب السلاح أهمية قصوى، لا سيما أنّها ترتبط بتداعيات تسلم الرئيس أحمد الشرع السلطة بعد سقوط نظام بشار الأسد، وترتبط أيضاً بالحزب لجهة إقفال أحد أهمّ إمدادات السلاح إليه. وفي 4 آب الجاري أعلن الجيش اللبناني عن ضبط صواريخ من نوع "غراد" عيار 122 ملم قادمة من الأراضي السورية باتجاه لبنان في جرود عرسال، وتمّ توقيف أفراد من شبكة التهريب.

في هذا السياق تقول مصادر مطلعة لـ"الصوت نيوز": "إن الجيش اللبناني ومخابرات الجيش، خصوصاً على الحدود الشرقية، يحكمان قبضتهما ضمن الممكن على المعابر الشرعية وغير الشرعية. ويبدو أن وتيرة تهريب السلاح من الجانب السوري إلى اللبناني هي الأكثر نشاطاً حتى الآن، ما يطرح تساؤلات حول سبب عدم إحكام القبضة على مهرّبي السلاح"، مع العلم أن عدة بيانات تصدر عن قيادة الجيش حول تهريب السلاح، ومصدرها الداخل السوري.

وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت في 16 تموز إحباط محاولة تهريب شحنة من الأسلحة عبر الحدود السورية - العراقية، مشيرة إلى أنها كانت في طريقها إلى حزب الله في لبنان، وهو الأمر الذي نفاه الحزب بشكل قاطع.

من جهة لبنان، يقول مصدر عسكري: "مراكز الجيش اللبناني تغطي مساحة كبيرة من الحدود الشرقية، خصوصاً أفواج الحدود البرية الثاني والثالث والرابع، والجيش يقوم بمهامه لجهة ضبط التهريب على أنواعه، مع العلم أن أكثر ما يتمّ تهريبه من لبنان إلى سوريا لا تزال المحروقات والمواد الغذائية والفاكهة والخضار، ولا يُرصد تهريب سلاح كما من الجهة السورية باتجاه لبنان، وهذا ما يقتضي تشديد القبضة السورية على نطاق التهريب".

وفق المعطيات العسكرية، لا ظهور مسلّحاً للحزب على امتداد هذه البقعة، والدليل أن أحياناً كثيرة تخرق دوريات سورية الحدود اللبنانية لكنها لا تصطدم بعناصر الحزب، بل يتمّ تنبيهها من الجانب اللبناني. يضاف إلى ذلك جهود أمنية كبيرة تقوم بها مديرية المخابرات لتوقيف المتورطين بالتهريب على أنواعه، وملاحقة المتورطين بأعمال جنائية، ورصد أي أعمال أمنية.

يُذكر أن عدداً من الغارات الإسرائيلية خلال حرب 2024 و2026 استهدفت "حزب الله" ومخازنه على الجانبين السوري واللبناني، إضافة إلى المعابر التي استخدمها الحزب لنقل السلاح. يمكن القول، وفق مصدر أمني، إن الحدود الشرقية لم تعد مركز نفوذ للحزب كما كان الأمر سابقاً، بسبب الإجراءات الأمنية من الجانبين، وقبل كل ذلك سقوط نظام الأسد الذي أحكم، بمفاعيله، الخناق على عناصر الحزب.

إقرأ أيضاً: مؤسسة كهرباء لبنان: مجلس الإدارة على كفّ عفريت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى