
لم يكد مجلس النواب يطوي صفحة إقرار قانون الإعلام الجديد، بعد أكثر من 16 عاماً من النقاشات والاقتراحات والتعديلات، حتى بدأت تداعياته السياسية والمهنية تفتح ورشة جديدة عنوانها: تعديل القانون. فالقانون الذي قُدّم بوصفه خطوة طال انتظارها لتحديث التشريع الإعلامي وحماية حرية التعبير، اصطدم منذ إقراره باعتراضات واسعة من الجسم الصحافي، ولا سيما على مواد اعتُبرت ناسفة لجزء من فلسفته الإصلاحية.
في مقدمة هذه الاعتراضات تقف المادة 104، التي أبقت على عقوبة الحبس في قضايا نشر المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة والمؤذية، بعقوبة تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات، إضافة إلى الغرامة. ويعتبر الصحافيون ونقابتا الصحافة والمحررين أن إبقاء العقوبة السالبة للحرية يعيد من الباب الخلفي تجريم العمل الصحافي، بعدما كان الاتجاه في الصيغة الإصلاحية للقانون نحو الانتقال من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية في مخالفات النشر.
لا تتوقف الملاحظات عند المادة 104. فهناك اعتراضات على تركيبة الهيئة الوطنية للإعلام وصلاحياتها، وعلى تنظيم المواقع الإلكترونية، فضلاً عن المواد المرتبطة بالتعددية النقابية، وهو ما دفع النقابتين إلى إعلان رفض الصيغة التي أقرها المجلس، والتلويح بالطعن أمام المجلس الدستوري، بالتوازي مع المطالبة برد القانون أو تعديله.
في المقابل، بدأت عملياً ورشة البحث عن مخارج تشريعية. حيث برز استعداد نيابي لإعادة فتح القانون عبر اقتراح يتبنى التعديلات التي لم تمر في الهيئة العامة. وبذلك ينتقل القانون سريعاً من مرحلة الإقرار إلى مرحلة إعادة النظر، من دون انتظار طويل كما حصل خلال السنوات الست عشرة التي سبقت ولادته.
لكن المفارقة السياسية تكمن هنا تحديداً: إذا كان القانون قد أُقر بأغلبية نيابية، وكان مؤيدوه يعتبرون أن بعض مواده ضرورية لحماية الحياة السياسية من الحملات المشبوهة والأخبار الكاذبة، فكيف ستُعاد صياغة هذه المواد من دون تفريغ القانون من الغاية التي استند إليها مؤيدوه؟
إقرأ أيضاً: علي الطاهر… إنجاز نتنياهو الانتخابي أم سقوطه المدوي؟







