
لم يعد من أدنى شك أنّ العمل الأمني المخابراتي في بعلبك والهرمل في الآونة الأخيرة أفضى إلى تقليص نفوذ منظومة متكاملة متشابكة ومعقدة، ترأسها "دولة الكبتاغون" وتتفرّع منها "دويلات" السرقة، والخطف، وتزوير العملات، والتهريب، والابتزاز... النتيجة الأكثر وضوحاً لهذا التحوّل ترجم من خلال تشديد الحصار على مافيات المخدرات والكبتاغون.
معظم رؤوس الصفّ الأول تمّ إزاحتها عن الواجهة. البعض يقبع في السجون، والبعض الآخر قتل في مواجهات مع الجيش اللبناني. ثمةّ إمبراطورية تتهاوى تباعاً، لكن يبقى هناك هاجس أساسي هو الذي يحرّك فعلياً الجهود الأمنية، ويدفع مخابرات الجيش في المنطقة إلى زيادة الضغط والمداهمات والملاحقات، وهو التحسّب من أن "يتدرّج" الصفّ الثاني والثالث في منظومة تجارة المخدرات إلى الصف الأول مجدداً، ليُعاد إنتاج أسماء كبيرة جديدة لامعة في عالم المخدرات تصنع "هيبتها" مجدداً، وتعيد فرض سطوتها على الدولة والقانون.
تقول مصادر أمنية لـ"الصوت نيوز": "هناك نوع ثالث من الملاحقين، لم يُحبَس ولم يُقتل، بل "طَفَشَ" من البلد بعدما شعر بحدّة الحصار، وفقد هامش التحرّك، أو صَعُبَت عليه إدارة "بيزنس المخدرات" وتصريف البضاعة. وهناك بالتأكيد، صنف غاب تماماً عن السمع، وأوقف "شغله" ولا يُرصَد له أثر".
هذا الهاجس الأمني يتعزّز بواقع اجتماعي على الأرض. فحكومة العهد الأولى التي وعدت بكثير من الإصلاحات في بيانها الوزاري، بما في ذلك "مواجهة اضطراب المناخ"، لم تشر إلى الإنماء المتوازن الذي تحتاجه مناطق الأطراف بشدّة، كبعلبك والشمال، إلا في حديثها عن "قطاع السياحة لما له من دور في إنعاش الاقتصاد والإنماء المتوازن لكلّ المناطق".
ولنفترض أنّها أفردت فصلاً كاملاً عن الإنماء المتوازن، فإن أي مواطن اليوم لا يتوقّع أي إصلاح على هذا المستوى، طالما أن "البديهيات" لم تُنجز، وأولها أن لا يقع المواطن فريسة بين يديّ السماسرة في "النافعة" أو الدوائر العقارية، أومافيات الموتورات...
إلى حين أن تشمّر الحكومة عن زنودها وتبدأ بـ"الرعاية" الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية في البقاع وبعلبك، وكل مناطق الأطراف، عبر استحداث مشاريع إنمائية وإنتاجية، فإن الجهد الأمني ينصبّ على تطويق ما تبقى من "شبكات" المخدرات والترويج والتهريب.
حَدَثَ، ويحدث ذلك، من خلال عمليات أمنية لمخابرات الجيش في مصادرة بضائع ومضبوطات وآلات ومصانع تصنيع مخدرات بلغت قيمتها مليار دولار أميركي في الأشهر الماضية، ما أدى إلى قصقصة "أرجل الاخطبوط" تدريجاً.
عشرات معامل تصنيع الكبتاغون، وأنواع أخرى من المخدرات، تمّ ضبطها وتفكيكها، إضافة إلى جرف "ربعات" الترويج والبيع، وتفكيك المعامل "النقّالة" (ضمن آليات مدنية) التي فرضها الحصار على أوكار المخدرات الثابتة، وبيانات قيادة الجيش المتتالية تدلّل على حجم العمل الأمني والتوقيفات، وحجم المضبوطات.
راهناً، يواصل الجيش اللبناني عمليّاته لملاحقة كبار رؤوس تجار المخدرات. وقد شكّل توقيف أحد أكبر "أباطرة" تصنيع الممنوعات والمتاجرة بها، نوح زعيتر، إضافة إلى رموز كبيرة في مافيا الكبتاغون، محطّة فاصلة في سياق الحرب على المخدرات، لكنّها بالتأكيد ليست نهائية. وفق معلومات أمنية هناك بنك أهداف متنوّع لا ينحصر ببقعة بعلبك- الهرمل والشراونة وحور تعلا، بل يمتدّ نحو البقاعين الغربيّ والأوسط ودير الأحمر، حيث تتوارى أسماء كبيرة، غير معروفة إعلاميّاً، وتفضّل العمل بصمت، وبربطات عنق، وبعضها ضيف دائم في المجتمعات المخمليّة.
إقرأ أيضاً:"ليبان بوست": عقد لمدى الحياة؟







