
بعد سبع جولات من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، وصل المسار إلى نقطة جمود واضحة لم تعد تخفيها التصريحات الرسمية المتحفظة. فقد بلغ التوتر في اليوم الأخير من الجولة السابعة أشدّه، حين قطع رئيس الوفد المفاوض اللبناني، السفير سيمون كرم، الجلسة اعتراضاً على ما وُصف بـ"المراوغة الإسرائيلية"، ما أدى إلى اختتامها قبل موعدها بساعتين. ومنذ ذلك الحين، لم تُبلَّغ بيروت بعد بموعد نهائي محدد للجولة الثامنة.
يكمن جوهر هذا التعثر في معطى بسيط لكنه حاسم: إسرائيل تدخل مرحلة انتخابية، إذ يُفترض أن تُقدَّم القوائم الانتخابية رسميا إلى لجنة الانتخابات في 8 أيلول 2026. وفي خضم هذا الاستحقاق، تتبلور تحالفات جديدة، أبرزها اتفاق نفتالي بينت ويائير لبيد على خوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة باسم "بياحد"، في محاولة لتكرار سيناريو 2021 الذي أطاح بنتنياهو. في مثل هذا المناخ التنافسي الحاد، يصبح من شبه المستحيل على أي حكومة إسرائيلية تقديم أي تنازل ملموس للبنان، سواء في ملف الانسحاب من النقاط المحتلة أو في ملف المناطق التجريبية أو آلية التحقق من نزع السلاح، لأن أي تنازل من هذا النوع سيُستثمر فورا من الخصوم السياسيين كدليل على "ضعف" أو "تفريط بالأمن القومي".
هذا الواقع يفسر لماذا بات كثيرون في بيروت يتعاملون مع هذه المرحلة على أنها مجرّد "تقطيع وقت" أكثر منها مفاوضات فعلية تسعى لنتيجة، خصوصاً في ظل استمرار التصعيد الميداني جنوبا من دون أي تقدم ملموس حتى الآن.
في المقابل، ورغم هذا الجمود الظاهر، تحرص الإدارة الأميركية على عدم قطع المسار كلياً، بل على إبقاء خيط رفيع من التواصل قائما بين الطرفين. فالانسحاب الكامل من الوساطة، أو السماح بانهيار المسار التفاوضي بشكل معلن، يحمل كلفة سياسية على واشنطن نفسها، التي استثمرت جهداً دبلوماسياً كبيراً عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان برئاسة الجنرال جوزيف كليرفيلد. لذلك تبدو الاستراتيجية الأميركية الحالية قائمة على "إدارة" فترة الانتظار الانتخابي الإسرائيلي، عبر إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والتركيز على الملفات الأقل تعقيدا كتثبيت الحدود، بانتظار أن يفرز المشهد الإسرائيلي واقعا سياسياً أكثر استقراراً.
أما إيطاليا، التي تستضيف جولات التفاوض في روما، فلديها حسابها الخاص الذي يدفعها بدورها لعدم ترك المسار ينهار. فروما تسعى إلى تأمين مقعد لها في القوة الأمنية التي ستخلف "اليونيفيل" بعد انتهاء ولايتها نهاية العام الحالي، وقد أبدت استعدادها فعليا للمشاركة في أي مهمة دولية مقبلة، بل تقدمت باقتراح لتشكيل قوة متعددة الجنسيات أصغر حجماً ومصرّح بها أمميا، تركز على دعم الجيش اللبناني وحماية المدنيين ومساندة آلية وقف إطلاق النار. غير أن هذا الطموح الإيطالي يصطدم بالعقبة ذاتها التي تواجه أي قوة بديلة أخرى: الحاجة إلى ضمانات أمنية بعدم استهداف عناصرها، وهي ضمانات لم تتأمن بعد.
من هنا جاءت سرعة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى التأكيد على أن جولة جديدة من المحادثات ستُعقد فعلاً، من دون أن يحدد لها موعداً نهائياً دقيقاً، ما يعني أن "الأمور لم تنضج بعد" وأن المرحلة تتطلب وقتاً لتحويل أي اتفاق إلى خطوات عملية على الأرض.
إقرأ أيضاً: انفجرت مجدداً بين بعبدا ومعراب







