
لم تكن إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج مرتفعات علي الطاهر نهاية العملية، بل قد تكون بداية مرحلة أخطر في جنوب لبنان، تقوم على تقليص القوات في بعض المواقع مع الإبقاء على الاحتلال والسيطرة بالنيران، وربط عودة السكان إلى قراهم بشرط إسرائيلي مفتوح عنوانه نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية.
هذا التوجه عبّر عنه بوضوح العميد الإسرائيلي المتقاعد آشر بن لولو، الرئيس السابق لأركان القيادة الشمالية، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، دعا فيه إلى إبقاء وجود بري إسرائيلي طويل داخل الأراضي اللبنانية، معتبراً أن ما جرى في علي الطاهر أثبت، وفق زعمه، أن الغارات الجوية والاستخبارات وحدهما لا تكفيان لتفكيك منشآت حزب الله.
وذهب بن لولو أبعد من الحديث عن ضرورة استمرار العمليات العسكرية، إذ طالب بمنع السكان اللبنانيين من العودة إلى القرى الواقعة ضمن المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي، إلى حين تفكيك البنية العسكرية فيها والتأكد من عدم عودة عناصر الحزب إليها.
وتكتسب هذه الدعوة خطورتها من أنها تحوّل المدنيين وحقهم في العودة إلى منازلهم إلى ورقة ضغط عسكرية وسياسية، وتفتح الباب أمام تكريس منطقة مهجّرة داخل لبنان، تستخدمها إسرائيل كحزام أمني بشري وجغرافي، تحت عنوان منع حزب الله من إعادة بناء قدراته.
وبحسب الضابط الإسرائيلي السابق، سمحت السيطرة البرية الطويلة على علي الطاهر بكشف وتدمير شبكة أنفاق قال إن طولها التراكمي بلغ نحو 5 كيلومترات، وإن العملية احتاجت إلى 1,100 طن من المتفجرات. إلا أن هذه الأرقام لم تحظَ بتأكيد مستقل، كما أنها تختلف عن الرواية الإسرائيلية الأولى التي تحدثت عن أنفاق يتجاوز طولها كيلومترين.
ويرى بن لولو أن أهمية علي الطاهر لا تقتصر على موقعه المرتفع، بل تمتد إلى إشرافه على مناطق واسعة من الجنوب، وتأثيره في محيط الليطاني والنبطية، معتبراً أن السيطرة عليه تتيح للجيش الإسرائيلي تهديد العمق الخلفي لحزب الله وتوسيع العمليات شمالاً عند الحاجة.
لكن ما نُشر يكشف أيضاً تناقضاً داخل الرواية الإسرائيلية نفسها. ففي وقت يطالب ضابط سابق باحتلال بري طويل، تحدث تقرير للقناة 12 الإسرائيلية عن انسحاب القوات من المرتفعات وإعادة تنظيم انتشارها على امتداد ما تسميه إسرائيل "الخط الأصفر"، بالتزامن مع دراسة خفض عديد القوات ونقل بعض الوحدات النظامية إلى جبهات أخرى.
غير أن هذا الانسحاب، وفق المعطيات الإسرائيلية، لا يعني التخلي عن السيطرة. فالجيش الإسرائيلي يعتزم مواصلة مراقبة المنطقة واستهدافها بالمدفعية والطيران والمسيّرات، لمنع أي محاولة للعودة إليها، مع الاحتفاظ بمواقع عسكرية محصنة وخطوط خلفية قادرة على التحكم بالنيران.
وبذلك، تبدو إسرائيل أمام نموذج احتلال أقل كلفة: قوات أقل على الأرض، مواقع ثابتة ومحصنة، مراقبة جوية دائمة، وحرية في القصف، مقابل إبقاء القرى خالية من سكانها وربط العودة بشروط أمنية تضعها تل أبيب وتحدد بنفسها مدى تنفيذها.
ولا يمثل مقال بن لولو قراراً رسمياً صادراً عن الحكومة أو الجيش الإسرائيلي، لكنه يعكس نقاشاً متقدماً داخل المؤسسة الأمنية بشأن المرحلة التالية. كما يمنح غطاءً عسكرياً وسياسياً لاستمرار الاحتلال، عبر تصويره باعتباره الوسيلة الوحيدة لمنع حزب الله من استعادة قدراته.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية: إسرائيل لم تعد تتحدث فقط عن تدمير منشأة أو احتلال تلة، بل عن تغيير طويل الأمد في الجغرافيا السكانية والعسكرية للجنوب. وإذا تحولت الدعوة إلى سياسة رسمية، فلن يكون السؤال متى تنسحب إسرائيل من علي الطاهر، بل كم قرية لبنانية ستبقى خالية من أهلها تحت ذريعة انتظار نزع السلاح؟
إقرأ أيضاً: بعد علي الطاهر… ضابط إسرائيلي يضع هذة المدينة في دائرة "الخطوة التالية"







