قصة كبيرة

عن مقعد "الفار من وجه العدالة"

مع أن أرمن لبنان يتمثلون في المجلس النيابي بستة مقاعد تتوزع على أكثر من دائرة إنتخابية، إلا أنّ العين ستتركز هذه المرة على مقعد زحلة تحديداً. هذا المقعد يحتل موقعاً رمزياً يتجاوز حجمه العددي في المعادلة الانتخابية. وإذا كان قد بقي ثابتاً في عهدة النائب السابق جورج قصارجي في كل الانتخابات التي جرت بعد اتفاق الطائف حتى أول انتخابات انجزت بعد خروج سوريا من لبنان، فقد شهد في ثلاث دورات انتخابية تبدّلاً بثلاثة أسماء، لم يتمكن أيّ منها أن يتحول حالة شعبية في أوساط أرمن زحلة.
عشرة ألاف هو عدد الناخبين الأرمن وفقا للوائح الشطب التي صدرت بالانتخابات الأخيرة. إلا أن ثلاثين بالمئة منهم فقط يشاركون بالانتخابات. وهذا ما يجعل فوز أي مرشح في ظل القانون النسبي متاحاً إما بحاصل كامل أو حتى بكسر أعلى تحققه اللوائح المتنافسة.
بعد خروج القوات السورية من لبنان اكتسب هذا المقعد بعداً متجدداً، ارتبط بالتحالفات السياسية المحاكة على المستوى المركزي. كانت النتيجة في ثلاث دورات انتخابية خسارة حزب الطاشناق التمثيل بالمدينة لمرتين، من دون أن تكتمل فرحته بالفوز الثالث الذي أتى بالنائب جورج بوشيكيان.
لم يُنتخب شانت جنجنيان في ثاني دورة انتخابية جرت بعد خروج سوريا من لبنان بفعل قاعدة أرمنية صافية، بل فاز في ظلّ التحوّل الذي أحدثته "ورقة التفاهم" الموقعة حينها بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" بمزاج الناخبين الزحليين.
انقلب هذا المزاج لمصلحة تحالف "القوات اللبنانية" مع النائب نقولا فتوش، فحقّقت لائحة "قلب زحلة" فوزاً كاملاً في المدينة، قبل أن ينفرط عقدها ويُعزل رئيسها لاحقاً.
غير أن جنجنيان لم يتمكّن من ترسيخ حضوره داخل الشارع الأرمني. وبقي موقف الطاشناق واضحاً منه، بعد أن خاض معركته إلى جانب إيلي سكاف في انتخابات 2011 وخسرها، شأنه شأن حلفائه في "التيار الوطني الحر".
مع الانتقال إلى النظام النسبي، خسر الطاشناق مجدداً في تحالفاته التي حاكها "تكتل التغيير والإصلاح" مع "تيار المستقبل". فكان للأرمن نائب فاز من لائحة تحالف فتوش – "الحزب"، بفضل حاصل وكسر أعلى، أوصل إيدي دمرجيان الى القبة البرلمانية مع مرشح "الحزب" الشيعي الذي حصد "سكوراً" فاق بثلاثة أضعاف نتيجة رئيس لائحته نقولا فتوش. فسجل دمرجيان فوزاً تاريخياً، برقم متدن قياسي بلغ 77 صوتاً فقط. وهذا ما جعله يغيب عن المشهد السياسي، مكتفياً بلقب "النائب" من دون أن يمارس فعليًا مهامه النيابية.
في الدورة الانتخابية الأخيرة، عاد الطاشناق إلى المعركة بتحالف ثلاثي جمعه بـ"التيار الوطني الحر" و"الحزب". وقضت التسوية حينها بترشيح جورج بوشيكيان الذي كان قد خاص المعركة في الدورة السابقة بمواجهة الطاشناق. قيل حينها إنّ بوشيكيان تكبد باهظاً لنيل المقعد. ولكنه نجح في حشد القاعدة الأرمنية الحزبية هذه المرة، ففاز بأصوتها من خلال حاصل ثالث تأمن للائحة إلى جانب المرشحين الماروني والشيعي.
لكن نائب زحلة الأرمني ما لبث أن انقلب على حلفائه، حين خرج على اجماع "تكتل لبنان القوي" بعدم توفير النصاب لاجتماعات حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. فاهتزّت العلاقة مع الطاشناق، الذي اعتبره خارج الإجماع، قبل أن يتحول إثر رفع الحصانة عنه، نائباً "فاراً من العدالة".
مع افتقاد بوشيكيان لكل حظوظ إمكانية الترشح مرة ثالثة، يتركز الاهتمام مجدداً على الخيارات التي سيتخذها الطاشناق الذي يملك "بلوكاً" صافياً في الدائرة. فالحزب الذي بقي منذ خروج سوريا من لبنان ركن من أركان تحالف ثلاثي مع "التيار الوطني الحر" و"الحزب"، يجد نفسه أمام معادلة جديدة تتطلب إعادة تقييم خياراته وتحالفاته.
اللقاء الأخير الذي جمع قيادات الطاشناق بحزب الكتائب أعاد تحريك المياه الراكدة مع القوى السيادية، من دون أن يذلل الشبهات حول إمكانية فتح الطاشناق باكراً "بازار" مقعد زحلة، خصوصاً أنّ "الحزب" واقع بأزمة كما يؤكد حزبيون مستقيلون ومفصولون. فهل يعيد الحزب الأرمني الأقوى حساباته فعلاً، ويستمع الى نبض بيئته الأقرب للأكثرية المسيحية والسنية في هذه الدائرة؟ أم يفرّط مجدداً بمقعد زحلة تحقيقاً لمصالحه الانتخابية في باقي الدوائر؟

أرقام 2022
عدد الناخبين الإجمالي 183,425 المسجلين في العام 2022، فيما المسجلين في العام 2018 بلغ 175,868، أي بزيادة 4,452 ألفاً ما نسبته 8.85%. ارتفع عدد الناخبين الشيعة 2,201 ناخباً وارتفع عدد الناخبين الروم الكاثوليك 409 ناخباً بينما ارتفع عدد الناخبين الموارنة 634 ناخباً، وذلك وفق "الدولية للمعلومات".
بلغ عدد الأوراق المعول عليها مع الأوراق البيضاء 92,691، فكان الحاصل الانتخابي 13,241 صوتاً، ليصير بعد حسم أصوات اللوائح الملغاة 9,975 صوتاً.

إقرأ أيضاً: لا تصدّقوهم… الانتخابات في موعدها!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى