بالريشة

هل تفرض إيران "خوّات" في مضيق هرمز؟

في خضم التوترات المتصاعدة بين إيران والغرب، تعود بين الحين والآخر فكرة فرض طهران رسوماً على عبور السفن في مضيق هرمز، أو تهديد إغلاقه كلياً. غير أن هذا التهديد لا يواجه عقبات سياسية وعسكرية فحسب، بل يصطدم بجدار قانوني دولي صلب، يمثله أحد أكثر الأعراف الدولية رسوخاً: مبدأ حرية الملاحة في المضائق الدولية.

أولاً: ما يقوله القانون الدولي

يُشكّل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (أونكلوس) الصادرة عام 1982 الإطارَ القانوني الحاكم لهذه المسألة. تنصّ الاتفاقية صراحةً على مبدأ "حق العبور العابر" في المضائق التي تربط منطقتين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، وهو حق لا يحق للدولة الساحلية تعليقه أو تقييده. ويتجاوز هذا المبدأ المرور البريء المعروف في البحر الإقليمي؛ إذ لا يشترط إخطار الدولة الساحلية مسبقاً، ولا الحصول على إذنها، ولا دفع أي رسوم.

المضيق الذي يخدم الملاحة الدولية لا يخضع لسيادة حصرية من الدولة الساحلية فيما يتعلق بتنظيم العبور؛ يحق لها فرض قواعد أمنية وبيئية معقولة، لكن لا يحق لها تحويل ممر دولي إلى نقطة جمركية أو سياسية.

ثانياً: هرمز تحديداً — الشريان الذي لا بديل له

يمر عبر مضيق هرمز ما يتراوح بين 20 و21 مليون برميل من النفط يومياً، ما يمثل نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية. عرضه في أضيق نقاطه لا يتجاوز 33 كيلومتراً، غير أن ممر الملاحة الفعلي لا يتعدى نطاقاً ضيقاً تتقاسمه ناقلات النفط العملاقة في اتجاهين متعاكسين. تتشارك في سيادة ضفتيه كلٌّ من إيران وسلطنة عُمان، وعُمان طرف في اتفاقية أونكلوس ولا تُبدي أي ميل لتقييد الملاحة.

الموقف القانوني الإيراني مثير للجدل تاريخياً؛ إذ لم تنضم إيران إلى اتفاقية أونكلوس، واستمرت في الاحتجاج بأن حقوق العبور في المضيق يجب أن تخضع لموافقتها. بيد أن هذا الموقف يظل معزولاً دولياً، لأن أعراف حرية الملاحة في المضائق الدولية باتت جزءاً من القانون الدولي العرفي الملزم حتى لغير الأطراف في الاتفاقية.

ثالثاً: ماذا لو فرضت إيران رسوماً؟

أي قرار إيراني بفرض رسوم على عبور السفن في هرمز سيكون انتهاكاً صريحاً لقانون البحار، وسيرتب على إيران تداعيات متعددة المستويات:

على الصعيد القانوني، يمكن لأي دولة متضررة رفع دعوى أمام محكمة الأمم المتحدة لقانون البحار أو محكمة العدل الدولية. وعلى الصعيد الاقتصادي، ستُعاد تسعير النفط العالمي فوراً، وقد تتجاوز تكاليف التأمين البحري كل تقديرات المعقول. وعلى الصعيد العسكري، تحتفظ الولايات المتحدة وحلفاؤها بتفسير ثابت مفاده أن حرية الملاحة في المضائق الدولية خط أحمر يستوجب الرد العسكري إذا اقتضى الأمر. وقد مارست البحرية الأمريكية بانتظام ما يسمى "عمليات حرية الملاحة" تحديداً لإرساء هذا المبدأ عملياً.

رابعاً: الأثر السابقة — المضائق الأخرى على المحك

الخطر الأعمق لأي تصرف إيراني في هرمز لا يكمن في هرمز وحده، بل في القدرة التدميرية للسابقة القانونية. المضائق الدولية الكبرى كثيرة ومتفرقة:

مضيق ملقا الذي تتقاسمه ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، يمر عبره نحو 40% من التجارة العالمية. مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر تسيطر عليه اليمن وجيبوتي وإريتريا. مضيق جبل طارق تتشارك فيه إسبانيا والمغرب مع المملكة المتحدة صاحبة السيادة على جبل طارق. مضيق سنغافورة ومضيق البوسفور والدردنيل الخاضعان لاتفاقية مونترو التي تمنح تركيا صلاحيات تنظيمية لكن ليس حق فرض الرسوم.

لو قُبلت السابقة الإيرانية، فإن كل دولة ساحلية على مضيق استراتيجي ستجد في يدها ذريعة لتحويل ممراتها المائية إلى أداة ابتزاز أو مصدر دخل، وهو ما سيهدد منظومة التجارة الدولية من أساسها.

خامساً: الفارق الجوهري — المضائق الطبيعية مقابل القنوات الاصطناعية

هنا يكمن تمييز قانوني دقيق كثيراً ما يُغفله التحليل السياسي: المضائق الطبيعية والقنوات الاصطناعية لا تخضعان لنفس النظام القانوني.

قناة السويس وقناة بنما مشروعان هندسيان أنشأهما الإنسان على أراضٍ سيادية بموارد بشرية وتكنولوجية ضخمة. لذلك يحق لدولة القناة فرض رسوم العبور، وتنظيم حركة المرور، بل وإغلاق القناة في ظروف استثنائية، وكل ذلك محكوم باتفاقيات ثنائية ودولية خاصة لا بمبدأ حرية الملاحة العرفية. فرنسا أنشأت قناة السويس وبنتها مصر بعد تأميمها عام 1956، وبنما أخذت قناتها من الولايات المتحدة رسمياً عام 1999، وفي كلتا الحالتين تُحدَّد الرسوم وفق حسابات الاستثمار والسيادة الوطنية.

المضائق الطبيعية في المقابل لم يبنِها أحد؛ هي تشكيلات جغرافية أزلية تشكّل بطبيعتها شرايين للتواصل البشري. لذلك قرر المجتمع الدولي أن لا دولة ساحلية تستطيع احتكارها أو تحقيق الربح من وجودها، حتى لو امتدت مياهها الإقليمية على جانبيها. السيادة الجغرافية لا تُنتج هنا حقاً تجارياً.

سادساً: الاستثناء التركي — درس في الفوارق

تجربة تركيا مع مضيقي البوسفور والدردنيل تقدم نموذجاً مثيراً للمقارنة. تتمتع تركيا بصلاحيات تنظيمية واسعة بموجب اتفاقية مونترو لعام 1936، تشمل تقييد عبور السفن الحربية لدول غير بحر الأسود، وفرض قواعد بيئية وأمنية صارمة. لكن حتى هذه الصلاحيات الواسعة لا تمتد إلى فرض رسوم تجارية على عبور السفن التجارية، وتركيا لا تطالب بذلك لأنها تعلم أنه سيُقوّض مشروعيتها الدولية. وهذا يثبت أن التمييز القانوني بين التنظيم والاستغلال التجاري خط واضح في العرف الدولي.

إقرأ أيضاً: مقامرة "الغاز": إسرائيل تكسر المحرمات في العمق الإيراني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى