قصة كبيرة

شريط حدودي بلا دولة!

يشكّل انسحاب الجيش اللبناني من بلدتي الرميش وعين إبل امتداداً لمسارٍ أوسع من إعادة الانتشار بدأ منذ مطلع آذار 2026، وشمل عدداً من القرى الحدودية في الجنوب، ما أدّى إلى نشوء شريط شبه خالٍ من الوجود العسكري الرسمي على طول الخط الأمامي. فقد سبق هذا الانسحاب تراجع الجيش من بلدات مثل الضهيرة، علما الشعب، الناقورة، يارين، مروحين، البستان، الزلوطية، رامية، القوزح، دبل، وبيت ليف، وصولاً إلى رميش وعين إبل، ما رسم عملياً نطاقاً جغرافياً متصلاً تراجع فيه الحضور الرسمي لصالح واقع ميداني أكثر هشاشة.

هذا التطور يحمل تداعيات بالغة الحساسية، أولها توسّع الفراغ الأمني، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على نقاط محدودة، بل بات يشمل شريطاً حدودياً واسعاً يمتد من القطاع الغربي عند الناقورة حتى العمق النسبي في قضاء بنت جبيل. ويُضعف هذا الواقع قدرة الدولة على ضبط الأرض، ويترك المنطقة عرضة لاحتمالات التصعيد أو الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.

ثانياً، يُفاقم هذا الانسحاب من هواجس الجنوبيين الصامدين في قراهم، إذ إن وجود الجيش كان يشكّل عامل طمأنة أساسي. ومع اتساع رقعة الانسحاب لتشمل بلدات متتالية، تتزايد مخاوف الأهالي من تحوّل قراهم إلى مناطق تماس مباشرة، ما قد يدفع نحو موجات نزوح إضافية ويهدد بإفراغ تدريجي لهذه القرى الحدودية.

ثالثاً، على المستوى العسكري، يؤدي هذا الواقع إلى تغيير طبيعة الانتشار في الجنوب، حيث يتحول الشريط الحدودي إلى مساحة أقل انضباطاً من قبل الدولة، ما قد يُفسَّر إسرائيلياً على أنه تراجع في الحضور الرسمي، ويُستخدم لتبرير تكثيف العمليات أو توسيعها. كما يفتح المجال أمام سيناريوهات ميدانية أكثر تعقيداً، في ظل غياب عنصر الفصل الذي كان يمثله الجيش.

هذا التراجع يعني ميدانياً تحول الشريط الحدودي بعمق يصل إلى 8 كيلومترات إلى "منطقة عمليات عسكرية مغلقة" تخضع للسيطرة النارية الإسرائيلية أو للاشتباكات البرية المباشرة. جاء هذا القرار لتجنب وقوع الوحدات العسكرية في "كماشة نارية" بين القوات الإسرائيلية المتقدمة ومقاتلي "الحزب"، خاصة مع غياب الغطاء الجوي الدفاعي للجيش اللبناني أمام كثافة الغارات المسيرة والقصف المدفعي. فانسحبت القوات نحو شمال نهر الليطاني لتشكيل خط دفاعي جديد يتركز في مناطق صور والنبطية وتبنين.

أما سياسياً، فيطرح هذا المشهد تساؤلات جدية حول قدرة الدولة اللبنانية على الحفاظ على سيادتها الميدانية في ظل التصعيد، وحول الخيارات المتاحة لإعادة تثبيت حضورها في هذه المناطق. فالشريط الممتد من الناقورة مروراً بعلما الشعب والضهيرة ويارين ومروحين والبستان، وصولاً إلى رميش وعين إبل بات اليوم أقرب إلى منطقة رخوة من الناحية العسكرية الرسمية، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها الدولة في هذه المرحلة.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى انسحاب الجيش من الرميش وعين إبل بمعزل عن هذا السياق الأوسع، إذ يشكّل جزءاً من تحوّل ميداني شامل أعاد رسم خريطة الانتشار في الجنوب، وخلق شريطاً حدودياً يفتقر إلى مقومات الوجود العسكري الرسمي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات أمنية وإنسانية وسياسية مفتوحة على احتمالات متعددة.

إقرأ أيضاً: قضم الجنوب... كقضم غزّة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى