
استثنى الرئيس نبيه بري في كلمته في عيد المقاومة والتحرير، الذي جيّرته الحكومة هذا العام إلى "الشهداء الذين سقطوا في الحرب الأخيرة"، توجيه أي إشارة إلى "شريكيه" في السلطة الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، بعكس قائد الجيش. إذ لم يُوجّه رسالة أو تحية لرئيس الجمهورية أو لرئيس الحكومة بل اكتفى بتوجيه التحية "للذين صنعوا التحرير وللمدافعين عن الأرض والعرض والسيادة المقاومين كل المقاومين، الشهداء منهم والذين ينتظرون وما بدلوا تبديلاً، والتحية موصولة للمؤسّسة العسكرية قائداً وضباطاً ورتباء وجنود عنواناً دائما للشرف والتضحية والوفاء ولسائر القوى الامنية اللبنانية، ولكل اللبنانيين في مختلف المحافظات والمناطق وفي العاصمة بيروت على مؤازرتهم ومشاركتهم أشقاءهم النازحين آلامهم وآمالهم استضافةً وإيواءً".
تقول المعلومات إن الرئيس بري الذي يسلّف السلطة الحالية ورقة ذهبية لجهة رفضه إسقاط الحكومة الحالية، يعترض على ملف أساسي، وهو ملف النازحين، حيث يعبّر بصراحة أمام زواره عن امتعاضه من الإدارة المقصّرة، ويرى أن قضية نازحي "البيال" عولجت بطريقة ملتوية وأخذت أبعاداً كادت تفجّر الفتنة.
منبع خوف الرئيس بري الأكبر هو توقّع تدفق مزيد من النازحين إلى بيروت والمناطق بسبب وتيرة التصعيد الأخيرة، وهو يرى أنّه ملف حسّاس يجب أن يعالج بخلفية وطنية محض، خصوصاً أنّ "الإقامة" قد تطول. ومن أجل ذلك جرى العديد من الاستقبالات في عين التينة للإحاطة بهذا الموضوع، من ضمنها مفوضية الاتحاد الاوروبي للمساعدات الانسانية وإدارة الأزمات، واللجنة الدولية للصليب الاحمر، مستغرباً عدم إعلان حالة طوارئ وطنية، أو وضع خطط حكومية تحاكي احتمال تفجّر هذا الملف بأي لحظة.
يُكرّر بري أمام زواره بأن أكثر ما يقلقه "الطائفة النازحة"، على أساس أنّ لا سوابق تشبهها، وبالتالي يتطلّب هذا الأمر متابعة حكومية استثنائية، مع العلم أنّ حركة "أمل" بإيعاز مباشر من بري شكّلت لجاناً خاصة لمتابعة هذا الملف، والإحاطة بحاجات النازحين الذين حكماً، في جزء منهم، هم من جمهور "الحركة".
يتخوّف بري بقوة من توتّرات الداخل، ولا يمرّ يوم لا توضع أمامه سلسلة تقارير عن حوادث، يتأتى بعضها من خيم النازحين أو مراكز الإيواء، أو في المناطق التي تشهد حركة إيجارات ناشطة. وفي ما يخص "جماعته"، أي الحركة، يحرص على تزويدهم بأوامر صارمة لفرض لغة التنسيق والاستيعاب. في أحد الاجتماعات الأمنية وردت تقارير عن ارتداء بعض المحازبين من "أمل" الذي يعملون في إحدى البلديات الزيّ العسكري في مركز للإيواء، فطلب بري فوراً قمع هذه الظاهرة تحت طائلة المسؤولية.
رغم كل ذلك، يتسلّح خطاب الرئيس بري عموماً في هذه المرحلة برداء الصمت مقارنة بهول الأحداث واحتمالاتها الكارثية. حين يقول أنّه غير معني بالمفاوضات، بل يهمّه وقف إطلاق النار و"مأساة النازحين"، كما يصفها، يعني بري ما يقوله: هو لا يتوقف فعلياً عند "الشكل"، إذا أتاه وقف إطلاق النار من المفاوضات المباشرة أو عبر الميكانيزم، مع تسليمه طبعاً، بأنّ الرئيس جوزاف عون، تحديداً، كان بوسعه استخدام المفاوضات المباشرة كورقة كان يمكن التفاوض عليها لفرض وقف لإطلاق النار.
فعلياً، تهمّه النتيجة، ولو أنّه يراهن على المطبخ الأميركي-الإيراني، وكلما أوغل الإسرائيلي في جرائمه، كلّما سلّم بري بقدر التسويات الكبرى التي لا تصنعها إلّا التسويات العمالقة. و"العملاق" الايراني، كما يُكرّر بري، وَعَد بأن لبنان بند ثابت على جدول التفاوض، وأول خيطه وقف دائم لإطلاق النار.
إقرأ أيضاً: هل يطيح "الحزب" حكومة سلام؟







