
قد تكون من المرات النادرة، التي يجري فيها سجال بين رأس القيادة في "حزب الله"، وهو راهناً الشيخ نعيم قاسم، ورأس الدبلوماسية في الولايات المتحدة الأميركية، وهو راهناً وزير الخارجية ماركو روبيو. فبعد نحو ساعتين على إعلان الشيخ قاسم أنّ من "حق الناس النزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة"، ردّاً على أي توجّه حكومي، تحت الضغط الأميركي، لإقفال مؤسّسات القرض الحسن، أطلق روبيو موقفاً يدين فيه "الدعوة المتهوّرة للإطاحة بالحكومة اللبنانية المنتخبة ديموقراطياً"، مؤكداً جرّ "الحزب" لبنان مجدداً إلى "الفوضى والدمار". من جهته، اعتبر قاسم "أن هذا الإجراء سيُواجه بقوة"، ومسلّماً بأنّ "الحزب سيواجه الذين يريدون إقفال المؤسّسة على أنّهم إسرائيليون".
يأتي ردّ روبيو على قاسم ضمن سياق الكباش الحادّ فوق رأس "مشروع" الاتفاق الأميركي-الإيراني، والمفاوضات المباشرة اللبنانية-الإسرائيلية في شقّيها الأمني والسياسي، منذراً بزيادة منسوب التوتر الداخلي الآخذ بالتصاعد، ردّاً على ما يعتبره "الحزب" تشديداً للحصار عليه، سياسياً وأمنياً ومالياً.
لكن هذا السجال لا يحجب مسألة حسّاسة أفرزتها مواقف قاسم الأخيرة، إذ بعد شهر ونصف تماماً من إصدار حركة "أمل" و"الحزب"، في 11 نيسان الماضي، بياناً يدعوان فيه "أهلنا الشرفاء إلى عدم التظاهر في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد، حرصاً من القيادتين على الاستقرار وحماية السلم الأهلي وعدم الانجرار إلى أيّ انقسام يريده العدوّ الإسرائيليّ"، يلوّح قاسم مجدداً بخيار الشارع لإسقاط الحكومة من "بوابة" القرض الحسن.
في تلك المرحلة، كانت السراي الحكومي عنواناً لتظاهرات بلّغت "قمّتها" في التحرّك الشعبي الذي كان حاشداً في 11 نيسان، وسَمِع خلاله الرئيس نواف سلام هتافات داعية إلى إسقاط الحكومة و"صهيوني صهيوني نواف سلام صهيوني"، ردّاً على سياسات الحكومة في ما يخصّ الحرب مع إسرائيل، والتفاوض المباشر معها، والإدارة المشبوهة لملف النازحين.
هذه المناخات، دفعت سلام يومها إلى تأجيل زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية "بسبب الأوضاع الداخلية"، مع العلم أنّه لم تحصل إعادة جدولة لزيارة لا يزال الغموض يحيط بخلفيتها: هل تخوّف سلام فعلاً من انقلاب قد يطيح بحكومته فأجّل الزيارة التي انتظرها طويلاً؟ أم أنّ الأميركيين لم يؤمّنوا لقاءات للرجل تليق بزيارة رئيس الحكومة إلى واشنطن؟ يُذكر هنا، أنّ وزير الثقافة غسان سلامة أكد آنذاك أن لقاء الرئيس سلام مع وزير الخارجية الاميركي قد حدّد في 17 نيسان عند الساعة العشرة صباحاً.
وفق المعطيات، لا يحذف "الحزب" من قائمة أهدافه الإطاحة بحكومة نواف سلام، لكثير من الاعتبارات، وقد تكون آخر الأوراق التي يستخدمها في الداخل. لكن الأمر قد يكون مستبعداً على المدى القصير، على ضوء التطورات التي تلفح الاتفاق الأميركي-الإيراني، كما يُصعّب من هذه المسألة الاحتضان الأميركي لحكومة سلام.
يقول مطلعون إنّ "الحزب" لا يسعى لمشكل داخلي، لا الآن ولا في المرحلة المقبلة، و"خطّه الأحمر عدم الاصطدام مع الجيش. وإذا كان هناك من موقف صارم ضد الحكومة، قد يترجم بداية في انسحاب وزراء الثنائي الشيعي، وهذا أمرٌ غير وارد حالياً". لكن كيف سيتحرّك "الحزب" في حال أقدمت أجهزة الدولة الرسمية على إقفال كافة مؤسّسات القرض الحسن، بعد تكفّل إسرائيل بتدمير المباني التابعة لها تقريباً في كافة المناطق؟
يقول هؤلاء: "حتّى في هذا التفصيل، فتّشوا عن ما سيُكتب بين سطور الاتفاق الأميركي-الإيراني. فحكومة نواف سلام قد لا تسقط بالضرورة في الشارع، بل بقوّة تفاهمات ستفرض نفسها من إسلام آباد إلى بيروت".
بمطلق الأحوال، يقول قريبون من الحزب: "بعد أن تهدأ لغة الحرب، وترسو التفاهمات على برّ، يستحيل أن تبقى هذه الحكومة. بالقوة، بالوسائل الدستورية، هذا تفصيل. ولعل أحد أهمّ المتغيّرات التي ستلفح الساحة الداخلية، بعد مسار الحرب، هي إعادة التوازن "الطبيعي" إلى تركيبة هذه الحكومة".
إقرأ أيضاً: تهديد نعيم قاسم: عن قوة أم ضعف؟







