قصة كبيرة

تهديد نعيم قاسم: عن قوة أم ضعف؟

جاء خطاب أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في توقيت شديد الحساسية، عشية الإعلان عن الاتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإيران، ليعيد طرح السؤال الأساسي الذي يخيّم على المشهد اللبناني منذ أشهر: هل سيكون لبنان جزءاً من التسوية الإقليمية المقبلة أم خارجها؟

الخطاب الذي حمل تمسكاً واضحاً بسلاح الحزب، وذهب أبعد عبر التلويح بإسقاط الحكومة إذا استمرت في ما يعتبره "الحزب" استهدافاً له، بدا بالنسبة لكثيرين مؤشراً إلى أن "الحزب" دخل مرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة رسم قواعد الاشتباك الداخلي بالتوازي مع التحولات الإقليمية الكبرى. لكن خلف هذا التصعيد، برزت قراءتان متناقضتان تماماً لدوافع الخطاب وأهدافه.

القراءة الأولى تعتبر أنّ "الحزب" يتصرّف من موقع القلق والتوتر، لا من موقع القوة. فحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات حاسمة إلى أن إسرائيل وافقت على إدراج الجبهة اللبنانية ضمن أي تفاهم إقليمي مع إيران، بل إن الموقف الإسرائيلي لا يزال يقوم على رفض تجميد الساحة اللبنانية أو منح "الحزب" فرصة لإعادة ترتيب قدراته العسكرية... بدليل التهديد بتوسيع إطار الاستهدافات وتكثيفها.

من هنا، يرى أصحاب هذا الرأي أنّ خطاب قاسم يعكس خشية حقيقية لدى "الحزب" من أن تنتهي المفاوضات الأميركية – الإيرانية إلى تفاهمات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز، من دون أن تشمل لبنان بصورة مباشرة.

وفق هذه المقاربة، يخشى "الحزب" أن يجد نفسه أمام مشهد إقليمي جديد تُخفَّف فيه الضغوط عن إيران، فيما تبقى الجبهة اللبنانية مفتوحة أمام الاستهداف الإسرائيلي السياسي والعسكري. لذلك، جاء التصعيد الداخلي بمثابة محاولة لتعويض أي خسارة محتملة في الخارج عبر استخدام ورقة الداخل اللبناني، سواء من خلال التمسك بالسلاح أو عبر توجيه رسائل مباشرة للحكومة بأن أي محاولة للذهاب بعيداً في التضييق على "الحزب" ستؤدي إلى مواجهة سياسية مفتوحة قد تصل إلى إسقاط الحكومة نفسها.

يستند أصحاب هذه القراءة إلى أنّ "الحزب" أظهر خلال الأشهر الماضية حساسية واضحة تجاه القرارات الحكومية المتعلقة بحركته وبشرعية سلاحه، فضلاً عن الخطاب السياسي المتصاعد الذي يربط بين المساعدات الدولية للبنان وبين الحد من نفوذ "الحزب". وبالتالي، فإنّ خطاب قاسم، وفق هذا المنطق، ليس تعبيراً عن ثقة، بل عن محاولة استباقية لمنع ترجمة أي تفاهم إقليمي على حسابه في الداخل اللبناني.

ثقة زائد بإيران

أما القراءة الثانية، فتنطلق من فرضية معاكسة تماماً. إذ ترى أن "الحزب" يملك معطيات تجعله مطمئناً إلى أنّ لبنان سيكون جزءاً من الاتفاق الأميركي – الإيراني، ولو بصورة غير معلنة. وبالتالي، إنّ خطاب قاسم لا يعكس خوفاً من الاستبعاد، بل ثقة بأن المرحلة المقبلة ستشهد نوعاً من التهدئة الإقليمية التي ستنعكس تلقائياً على لبنان.

بحسب هذا التفسير، فإنّ "الحزب" قرر استثمار لحظة التفاوض الكبرى لتحسين شروطه الداخلية بعد مرحلة من التراجع النسبي، ظهرت في أداء الحكومة وفي القرارات التي اتخذتها تجاهه، وكذلك في المناخ السياسي الذي ساد بعد الحرب الأخيرة. فالحزب، وفق هذا الرأي، يدرك أن أي اتفاق إقليمي سيعيد تكريس دوره لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه، ولذلك بدأ مبكراً في رفع سقف خطابه لإعادة فرض توازنات داخلية جديدة قبل تثبيت التسوية الإقليمية.

ضمن هذه القراءة، يصبح التهديد بإسقاط الحكومة جزءاً من عملية تفاوض داخلية هدفها إعادة رسم حدود السلطة والنفوذ، لا إعلان مواجهة فعلية. فالحزب يريد القول إن مرحلة ما بعد الاتفاق لن تكون شبيهة بمرحلة ما بعد الحرب، وإنه لن يقبل باستمرار الضغوط السياسية والحكومية التي مورست عليه خلال الأشهر الماضية.

بين القراءتين، يبقى الثابت أنّ خطاب نعيم قاسم كشف حجم الترابط بين الداخل اللبناني والمفاوضات الإقليمية. فلبنان لم يعد مجرد ساحة متأثرة بما يجري حوله، بل بات جزءاً عضوياً من شبكة التفاوض الكبرى بين واشنطن وطهران. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل يشمل الاتفاق لبنان؟ بل أيضاً: بأي ثمن، ولصالح أي توازنات داخلية وإقليمية؟

إقرأ أيضاً: الأمن في ظل "نزع السلاح": تضييق على "الحزب"

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى