
ليست المرة الأولى التي يتطرق فيها "حزب الله" إلى ملف النظام السياسي في لبنان من باب الدعوة إلى تعديل الدستور. غير أن الجديد هذه المرة هو الأسلوب والتوقيت معاً. فقد اقتنص الحزب فرصة ذكرى مئوية الدستور اللبناني ليتوجه، إلى الداخل والخارج في آنٍ واحد، بدعوة صريحة إلى تطوير النظام، معلناً أن "التجربة اللبنانية أثبتت أن النظام الطائفي لم يعد قادراً على إنتاج دولة عادلة وفاعلة ومستقرة". وأضاف أن "الوفاء الحقيقي للدستور لا يكون بتجميد نصوصه أو التعامل الانتقائي معها، بل بتطبيق الإصلاحات الدستورية التي أقرّها اتفاق الطائف كاملةً، من دون انتقاص أو اجتزاء أو توظيف سياسي"، مؤكداً أن "إلغاء الطائفية السياسية" يشكّل "مدخلاً أساسياً لتطوير العقد السياسي والاجتماعي".
ما يستدعي التوقف عنده ليس مضمون الدعوة في حد ذاتها، بل لحظة إطلاقها. فلبنان يرزح اليوم تحت وطأة أقسى عدوان إسرائيلي في تاريخه المعاصر؛ أكثر من 8% من مساحة البلاد محتلة، عشرات القرى جُرفت بالكامل، وأكثر من 150 بلدة أُفرغت من سكانها قسراً. المطلوب في هذه اللحظة بالذات هو التفكير في آليات وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار وانسحاب القوات الإسرائيلية وعودة النازحين الجنوبيين إلى بيوتهم... وإذ بالحزب يوقظ ملف التعديلات الدستورية.
يرى المتابعون عن كثب أن "الحزب" يمارس لعبة استدراج العروض، الأمنية والسياسية في آنٍ معاً. فمن خلال رفع سقف الخطاب السياسي الداخلي، يضع سلاحه أو جزءاً منه على طاولة التفاوض الإقليمي، مراهناً على أن المفاوضات الأميركية الإيرانية الجارية ستفضي إلى اتفاق عميق وشامل يتضمن حتماً بنوداً تتعلق بدوره في لبنان.
المعادلة التي يحسب الحزب خيوطها هي الآتية: يقبل بترتيبات أمنية مع إسرائيل جنوب الليطاني، مقابل الحصول على إعادة تأهيل سياسي داخلي وضمانات بتحسين موقعه في المعادلة اللبنانية. الورقة الدستورية ليست هدفاً بحد ذاتها، بل هي إشارة موجَّهة للخارج مفادها: "أنا لاعب سياسي فاعل، وأملك ورقة إعادة رسم خارطة النظام اللبناني".
الأهم في هذه الحركة أنّ الحزب يعلم مسبقاً أن دعوته إلى إلغاء الطائفية السياسية ستُقابَل بالرفض القاطع من المسيحيين والسنة على حدٍّ سواء. المسيحيون يخشون أي تلاععب بالدستور يعب ضبطه لأنه سيكون على حسابهم، فيما يخشى السنة أن يكون إلغاء الطائفية مدخلاً لترجيح الكفة لصالح الثقل الديموغرافي الشيعي... ومع ذلك قرر توظيف هذه الورقة في الصراع الحاصل.
في السياق عينه، لا يفسّر امتعاض "الحزب" من المسار التفاوضي الذي تقوده الدولة اللبنانية من دون أن يكون هو طرفاً مباشراً فيه، إلا بكونه يريد أن يكون هو في الواجهة. فالحزب يرفض أن يكون موضوع تفاوض، ويصرّ على أن يكون شريك تفاوض. أي اتفاق يمسّ سلاحه أو دوره جنوب الليطاني لا يمكن أن يُبرَم من فوق رأسه.
هذا الموقف يضع الدولة في مأزق حقيقي: واشنطن تطالبها بفرض سيادتها الكاملة على قرار الحرب والسلم، فيما يأبى الحزب أن يتحول إلى ملف تُديره بيروت الرسمية. والأرجح أنه يراهن على أن واشنطن، في سياق مساعيها للتوصل إلى اتفاق مع طهران، ستُضطر في نهاية المطاف إلى التعامل معه مباشرة، متجاوزةً الواجهة اللبنانية.
يراقب "الحزب" مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية ويعوّل على نتائجها، ويُطلق إشاراته الداخلية بانتظار أن تتبلور الاتفاقات الإقليمية وتنضج. الرهان الكبير هو أن يصل هذا الاتفاق قبل أن تُكرّس الضغوط الميدانية والتفاوضية تحوّلات يصعب لاحقاً استعادتها. وحتى ذلك الحين، تبقى الورقة الدستورية مجرد رسالة في زجاجة، مُلقاة في بحر التجاذبات الإقليمية، في انتظار من يلتقطها ويردّ عليها.
إقرأ أيضاً: من خدع من... بري أم "الحزب"؟







