
تزداد المفارقات في خطاب "حزب الله" الذي يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه المنتصر سياسياً والقادر على فرض معادلات ردع جديدة، فيجد نفسه أمام مجموعة من الأسئلة التي تفرضها الوقائع اليومية على الأرض، على أكثر من مستوى:
1-الرواية التي يجري الترويج لها حول الدور الإيراني في حماية لبنان. فالحزب يفاخر بأن طهران نجحت، عبر التهديد بقصف شمال إسرائيل، في منع استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت أو توسيع نطاق الحرب. لكن هذا المنطق يثير سؤالاً بديهياً: إذا كانت معادلة الردع هذه قائمة فعلاً وفعالة إلى هذا الحد، فلماذا لم تنجح في وقف ما يجري يومياً في جنوب لبنان؟
الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والعمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، واستمرار الاحتلال في عدد من النقاط الحدودية، فضلاً عن أعمال التدمير والتجريف التي طالت قرى ومناطق واسعة. وإذا كانت حماية الضاحية تُقدَّم بوصفها إنجازاً استراتيجياً، فإن سكان الجنوب يطرحون سؤالاً مختلفاً: ماذا عن القرى الحدودية؟ وماذا عن الأراضي التي لا تزال خاضعة للاحتلال أو للاستهداف اليومي؟
2-الموقف من المفاوضات. "الحزب" يعلن بصورة متكررة رفضه لأي مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية مع الولايات سواء لبحث كيفية تثبيت وقف إطلاق النار أو لمعالجة الوضع الأمني والعسكري على الحدود. لكنه في المقابل لا يعترض على تولي إيران أو رئيس مجلس النواب نبيه بري إدارة قنوات التواصل أو التفاوض مع الجانب الأميركي بشأن الملفات نفسها.
هنا السؤال: أن يأتي قرار وقف إطلاق النار على يدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس البرلمان نبيه بري، "حلال"، فيما سعي رئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون لهذا الهدف هو "حرام"؟
المشكلة تكمن في أنّ "الحزب" يريد أن يكون المفاوِض، بشكل مباشر، أو عبر الرئيس بري، أو من خلال القناة الإيرانية، ولا يرفض مبدأ التفاوض، حتى لو ادّعى عكس ذلك.
3- مفهوم وقف إطلاق النار. بعدما تصدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنعه من استهداف الضاحية معلناً أنّه أجرى "اتصالاً جيداً للغاية مع حزب الله عبر ممثلين رفيعي المستوى واتفقوا على وقف إطلاق النار تماماً وأن إسرائيل لن تهاجمهم ولن يهاجموا إسرائيل"، عاد وزير خارجيته ماركو روبيو للكشف عن "اتصالات عبر حكومة لبنان ورئيس برلمانه نيابة عن حزب الله بأنه لن يهاجم إسرائيل ما لم تهاجم بيروت"، ليخرج "الحزب" عبر أكثر من مسؤول يعلن رفضه لهذا الاقتراح.
وبالتالي من خدع من؟ "الحزب" خدع بري أم بري خدع الأميركيين؟ أم أن الأميركيين في حالة هذيان؟ هذا مع العلم أنّ مستشار بري، علي حمدان قال لـ"أكسيوس": إدارة ترامب اقترحت وقفاً جزئياً لإطلاق النار خلال عطلة نهاية الأسبوع والذي سيُلزم حزب الله بالتوقف عن قصف شمال إسرائيل مقابل التزام إسرائيل بعدم قصف بيروت.
إقرأ أيضاً: من أوقف الحرب؟







