
بإعلانه الاعتكاف عن حضور جلسات مجلس الوزراء «إلى حين اتخاذ القرارات المطلوبة» في ملف الكهرباء، لم يكن وزير الطاقة والمياه جو الصدّي يتحرك بمعزل عن حسابات حزب «القوات اللبنانية». فالخطوة، بحسب قراءة متابعين للملف، محاولة لـ«تهريب» وزيرها من «محرقة» وزارة الطاقة، بعدما اقتنعت معراب بأن لا إمكانية لتعديل حكومي ينقذها من هذا الفخ.
وهو فخّ لطالما نصبته «القوات» لخصومها، وفي مقدمهم «التيار الوطني الحر» الذي أمسك بالوزارة لسنوات. غير أنها وجدت نفسها اليوم في الموقع نفسه: قطاع محاط بطوق من التعقيدات والمصالح عجزت عن اختراقه، ولا سيما في هذه الظروف الصعبة. ولأن التعديل بقي بعيد المنال، اختارت الهروب إلى الأمام، ودفعت وزيرها إلى الاعتكاف وهو الذي كان يلوّح أصلاً بالاستقالة. وهكذا تتحرر من عبء الوزارة سياسياً، من دون أن تتحمل كلفة الخروج من الحكومة.
في مؤتمره الصحافي، وضع الصدّي تشخيصه للأزمة: «أساس مشكلة الكهرباء يكمن في عدم توفّر القدرة الإنتاجية». ورأى أن على القطاع الخاص أن يستثمر في الطاقة وأن يشغّل المعامل، لكن المساعي والاتصالات، كما قال، أفضت إلى أن المستثمرين العالميين لديهم شروطهم ويريدون ضمانات مالية وأمنية. وكشف أن 24 شركة مهتمة بالاستثمار في القطاع بشروط أبرزها الضمانات المالية، وأن الدول الصديقة التي تريد الاستثمار في لبنان تطلب الضمانات نفسها. وأضاف أن الاستثمارات اللازمة لم تُنفَّذ، وأن أموال المودعين هُدرت في "حرق الفيول".
وعرض الوزير ما قال إنه مسارات بديلة تعمل عليها الوزارة. فهي تسعى إلى تأمين استقلالية الخيار اللبناني في جلب الغاز عن طريق البر أو البحر «كي لا نكون رهينة لأحد»، وتعيد تأهيل أنبوب الغاز إلى دير عمار. أما استجرار الكهرباء من سوريا فينتظر الدراسة، وقد أحال عقده إلى مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، فيما يجري البحث في شراء الكهرباء من تركيا عبر سوريا. وأشار إلى أن الهيئة الناظمة للكهرباء أطلقت مناقصة لاستثمار معامل أصغر، وتقدمت إليها 20 شركة لمشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة.
لكن هذه المسارات كلها، في نظره، تبقى معلقة على قرارات لا تملكها الوزارة وحدها. ومن هنا الملاحظات التي رفعها إلى الحكومة، وتتلخص بأربعة مطالب:
-تعرفة متحركة تتبع سعر الفيول عالمياً. فسعر الفيول الذي تستورده المؤسسة تضاعف خلال الأشهر الستة الماضية، فتراجعت ساعات التغذية بعدما بلغت نحو 7 ساعات يومياً في شباط. وذكّر بأن دعوته إلى ذلك «ليست بجديدة».
-معالجة الهدر غير الفنّي البالغة نسبته 30 في المئة، وهو ما سمّاه "سرقة":
-أن تدفع الدولة الإعفاءات التي منحتها على هامش الحرب في الجنوب، وأن تتحمل مسؤولياتها بتعويض المبالغ، كي تتمكن مؤسسة كهرباء لبنان من شراء الفيول.
-استدامة مالية للمؤسسة تجعلها «واقفة على إجريها» بإمكاناتها الذاتية.
بهذا المعنى، يبدو القرار «نصف نصف»: لا هو استقالة تُسقط عن «القوات» مسؤولية ما يجري وتكلّفها ثمن الخروج من الحكومة، ولا هو قبول بالأمر الواقع. إنه موقف رمادي يتيح لها أن تقول لجمهورها إنها لم تتحمل وزر الفشل، وللحكومة إنها لم تنسحب منها. وفي الوقت نفسه، يضع المؤتمر الصحافي المسؤولية عند الآخرين: عند دولة لم تدفع، وإدارة لم تعالج الهدر، واستثمارات لم تُنفَّذ.
إقرأ أيضاً: مصير الجنوب… في المجهول







