قصة كبيرة

"أزمة" المحقّق العدلي

تقول مصادر قضائية مطلعة لـ"الصوت نيوز" إنّه ليس فقط هناك أسباب سياسية وتوازنات دقيقة، تحول حتّى الآن دون إحالة ملف متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، بل التركيبة السياسية و"السيستام" القائم يجعلان من اختيار المحقّق العدلي أزمة بحدّ ذاتها.

فقد دَرَج العرف أن يتمّ اختيار المحقّق العدلي في القضايا المحالة إلى المجلس العدلي من "طائفة الضحية أو الضحايا"، وهذا ما كان يحصل مثلاً في قضايا الإرهاب التي شهدها الشمال أو الضاحية الجنوبية، حتى في ملف مرفأ بيروت اعتبر ملفاً مسيحياً بالدرجة الأولى (ربطاً بالعدد الأكبر من الضحايا والمنطقة الأكثر تضرراً)، وهذا ما دفع يومها الرئيس الفرنسي إلى زيارة لبنان والسير في شوارع مار مخايل والجميزة وتفقّد الأضرار. لكن في حالة متفجّرات ضهر البيدر فإن اختيار "طائفة" المحقّق العدلي سيكون بالغ الصعوبة والحساسية، لا سيما بأن الاتّهام المباشر موجّه إلى عناصر من "حزب الله"، وذلك للمرّة الأولى منذ بدء الحزب عمله في لبنان، باستثناء اتّهام المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري عناصر من الحزب باغتياله.

لكن حتّى الآن، تبدو هذه الأزمة محيّدة حتّى إشعار آخر، مع تأكيد مصادر مطلعة لـ"الصوت نيوز" بأن "القرار السياسي الداخلي، المنسّق مع جهات عربية، رسا على عدم الإحالة، على أن يصل الملفّ في خواتيمه إلى المحكمة العسكرية".

لذلك، فإن الأزمة ستنتقل إلى مستوى آخر، مع ما أعلنه صراحة النائب جورج عدوان بأن لا عودة لوزراء "القوات اللبنانية" إلى الحكومة، إذا لم تتمّ إحالة ملف متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي.

 أمس، صعّدت القوات من موقفها مع اتّهامها السلطة، بعد إصدار مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم طلب الادّعاء بحق عناصر من الحزب بالتورّط بنقل المنفجّرات، بـ"اعتماد مقاربة تقنية تسعى إلى اتّخاذ الحدّ الأدنى من الإجراءات وطيّ الصفحة"، معتبرة أن "المسألة لا تتعلّق فقط بالتوقيفات بل بجوهر مشروع الحزب الإيراني القائم على نقل السلاح وإعادة بناء قدراته العسكرية، لذلك فإن الاحالة تنقل القضية من ملاحقة بعض المنفّذين إلى مساءلة المشروع الذي يقف خلفهم، وتضع الحكومة أمام مسؤوليتها في منع تكرار هذه الممارسات".

حتى الآن، لا تزال "القوات" مصرّة على موقفها، لكن الحكومة وفق المعلومات تحاول استدراج معراب إلى الجلوس مجدداً إلى طاولة الحكومة، إن من خلال الحديث عن نية رئيس الحكومة نواف سلام تخصيص جلسة حكومية لملف الكهرباء، شبيهة بجلسة النفايات التي قاطعتها "القوات"، أو من خلال بدء مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان تنفيذ قراره، بدءًا من يوم أمس، بقطع التيّار الكهربائي عن الإدارات والمؤسّسات العامّة والبلديات المتخلّفة عن تسديد مستحقاتها للشركة، وهي أحد مطالب "القوات اللبنانية" في ملفّ الكهرباء.

يحدث ذلك في ظل إصرار رئاسي، منسّق بين الرؤساء جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام، على عدم الركون إلى خيار الإحالة إلى المجلس العدلي مهما بلغت الضغوط القواتية، فيما تؤكد مصادر سياسية رفيعة لـ"الصوت نيوز" أن "مسار القضية أمام القضاء العسكري من ادّعاء مفوّض الحكومة القاضي غانمّ، إلى التحقيقات الاستنطاقية لدى قاضي التحقيق العسكري الأول غادة أبوعلوان، إلى المحاكمات أمام المحكمة العسكرية برئاسة العميد في الجيش وسيم فياض، لن يخرج عن إطار الفصل بين مسؤولية أفراد داخل "الحزب"، وبينهم من همّ غير مرتبطين به مباشرة، في نقل المتفجّرات ووجهة استخدامها بقتال إسرائيل، وبين مسؤولية قيادة "الحزب"، حيث لن تتوجّه أصابع الاتّهام إلى رأس الهرم أو إلى قيادات رفيعة داخله". 

تشير مصادر وزارية إلى أن "من أكبر المفارقات في المرحلة الراهنة أنه فيما كان متوقّعاً أن يفجّرها "الحزب" من الداخل، ربطاً بضغط الحكومة والسلطة عليه وصولاً إلى ضبط شحنة متفجّرات ضهر البيدر وتورّط الحزب بها، فإنّ "القوات" تنفرد في هزّ التضامن الوزاري داخل الحكومة، وتهدّد بالخروج منها، وقلب الطاولة".

في المقابل، بات رئيسا الجمهورية والحكومة يتعاملان مع "القوات" كفريق قادر على أخذ الحكومة نحو الصدام الداخلي. ووفق المعلومات لم تقد الوساطات القائمة حتى الآن، وهي غير رسمية، إلى ثني "القوات" عن موقفها بمقاطعة جلسات مجلس الوزراء حتى إحالة ملفّ المتفجّرات إلى ضهر البيدر. هنا يطرح معنيون أسئلة حول الدور السعودي المُحتَمل في التخفيف من الاندفاعة القواتية، فيما الموقف الأميركي يتمحور حول ضرورة اتّخاذ إجراءات قضائية وحكومية صارمة في تجريم الحزب، ومنعه من إعادة بناء قدراته العسكرية، وتعطيل مفعول كافة أنشطته الأمنية والعسكرية.

إقرأ أيضاً: انتخابات في "عزّ الشتاء"

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى