
في أعقاب فضيحة استيراد الفيول الروسي عبر الغشّ والتزوير، وبعدما ادّعت النيابة العامة المالية برئاسة القاضي ماهر شعيتو بالتزوير الجنائي بحقّ كلّ من شركة الرقابة وSahara Energy DMCC وSR Navigations المالكة للناقلة HAWK III وGalileo، ومع حجز كفالات مصرفية بقيمة تقارب 9 ملايين دولار ومستحقات تفوق 12 مليون دولار لصالح Iplom International SA، تتكشّف معطيات جديدة في هذا المسار.
أظهرت مستندات رسمية صادرة عن الجمارك أنّ ما بدا منافسة في مناقصات الفيول لم يكن إلا واجهة. إذ تبيّن أنّ شركة Ecomarcet، التي فازت بالمناقصة الأخيرة لمنشآت النفط، هي في الحقيقة شريكة لشركة Sahara Energy في عملية التزوير التي شابت حمولة الناقلة HAWK III، لا سيما أنّ الشخص الذي يمثّل Ecomarcet وIplom International SA هو الوسيط نفسه الذي يتكرر اسمه منذ العام 2023 ممثلاً لشركة Petraco التي قدّمت عرضاً صورياً لتغطية عرض BB Energy ومنع بقاء المناقصة على عارض وحيد.
حينها أوصت إدارة الشراء العام بإبطال المناقصة لعدم شفافيتها، لكن إصرار وزير الطاقة السابق وليد فياض بدعم سياسي مباشر من رئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي، المعروف بقربه من BB Energy وعائلة البساتنة، أدى إلى تمرير العقد بالتراضي وبعارض وحيد، لتستورد BB Energy كامل الشحنات مستخدمة الأسلوب ذاته بالتلاعب بشهادات المنشأ والمانيفست.
لحجز الكفالة
فتحت النيابة العامة التمييزية تحقيقاً رسمياً في مخالفات BB Energy بعد تواتر أدلة التلاعب والتزوير في وثائق منشأ الشحنات. وبات من المفترض، وفق الأصول القانونية، حجز الكفالة المصرفية العائدة للشركة والتي تبلغ 15 مليون دولار.
في الوقت ذاته، بدأت الجمارك اللبنانية التحقيق في نحو 30 ناقلة نفطية يشتبه بأنها دخلت عبر الغش والتزوير، بناءً على سلسلة من الإخبارات المفصّلة التي تقدّم بها المهندس فوزي مشلب، الذي كان أوّل من كشف هذا الملف منذ منتصف عام 2025.
الفضيحة لم تقف عند حدود الفيول الروسي. مع بدء العراق ضخ النفط الخام عبر خط الأنابيب إلى ميناء جيهان التركي على المتوسط، أصبح عقد استبدال النفط الخام العراقي مع لبنان عبئاً مالياً ضخماً بدل أن يكون فرصة.
العقد الحالي ينصّ على استلام 500 ألف برميل فقط من الخام العراقي وبيعها حصراً في الأسواق الأوروبية. غير أنّ ناقلات النفط القادرة على المرور لا تقلّ حمولتها عن مليون برميل، فيما ترفض المصافي الأوروبية التعامل مع شحنات أقل من هذا الحجم. إضافة إلى ذلك، ترتفع كلفة الشحن بشكل كبير مع هذه الكميات الصغيرة، بينما البدائل الأرخص والأكثر مرونة أصبحت متاحة عبر خط الأنابيب العراقي مباشرة إلى المتوسط.
تُقدَّر الخسائر الناتجة عن هذا التفصيل وحده بأكثر من 1.5 مليون دولار لكل ناقلة بسبب زيادة الكلفة التشغيلية واللوجستية مقارنة بشحنات المليون برميل.
مصادر متابعة للملف تؤكد أنّ تحديد كمية 500 ألف برميل لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل جاء نتيجة مفاوضات مريبة بين وزارة الطاقة والجانب العراقي لتسهيل فوز شركة واحدة هي Iplom International SA. هذه الشركة الإيطالية تملك مصفاة صغيرة غير قادرة على استقبال ناقلات المليون برميل، وبالتالي هي المستفيد الوحيد من تحديد الكمية بهذا الشكل.
هذا يطرح تساؤلات جدية حول العقد لجهة تخصيص شروطه لتناسب طرفاً واحداً، خلافاً لجوهر قانون الشراء العام الذي يفترض تعزيز المنافسة وحماية المال العام، لا سيما وأنّ هذا الوسيط تربطه علاقة صداقة مع وزير الطاقة السابق وليد فياض.
اختبار جدي
هكذا يقول المعنيون إنّ هذا المرلف أمام اختبار جدي لـ:
• محاسبة المسؤولين الذين تغاضوا عن هذه المخالفات الفاضحة، خصوصاً بعد حزيران 2025، تاريخ كشف الملف رسمياً على يد المهندس فوزي مشلب.
• استكمال حجز الكفالات المصرفية العائدة للشركات المتورطة، وفي مقدمتها BB Energy، وضمان عدم مشاركتها في أي مناقصات جديدة قبل انتهاء التحقيقات.
• تطبيق أحكام قانون الشراء العام وتصريح النزاهة لمنع أي شركة ثبت تلاعبها من الدخول في عقود جديدة مع الدولة اللبنانية.
• حماية المال العام ومنع استمرار نزف عشرات ملايين الدولارات في صفقات صُممت لتخدم مصالح شركات محدّدة على حساب دافعي الضرائب.
إقرأ أيضاً: خطاب ترامب مثير للشفقة!







