
لمعركة المتن الشمالي في الانتخابات النيابية، نكهة مميزة. لا تجدها دوماً في دوائر أخرى. للسياسة بصماتها في تحديد موازين القوى في دائرة النواب الثمانية: أربعة نواب موارنة، نائبان أرثوذكسيان، نائب كاثوليكي ونائب أرمني أرثوذكسي. مهما لعبت العائلية والمناطقية دورها، تبقى الغلبة للمنحى السياسي… لدرجة أنّ جاد غصن الإعلامي الشاب، المنخرط حديثاً في المعترك الانتخابي، كاد يدخل البرلمان على صهوة صوت شبابي اعتراضي، منحه 8526 "صوتاً ذهبياً"، فكان ثاني الموارنة من حيث الأصوات التفضيلية بعد سامي الجميل.
بهذا المعنى، تلعب السياسة دوراً مهماً في قضاء ملوّن حزبياً. فيه من كل الأحزاب والتناقضات والتيارات: "التيار الوطني الحر" و"الكتائب" و"القوات" والحزب السوري القومي والاجتماعي، والمجموعات اليسارية… وفيه أقليات درزية، سينة، وشيعية، تستطيع إحداث الفرق حين تكون المعركة في حماوتها القصوى.
حتى الآن، ثمة ثوابت في المشهد المتني وثمة متغيرات تنتظر ساعة حسم تركيب اللوائح. يمكن في هذا السياق تسجيل الآتي:
- يعاني "التيار الوطني الحر" من مأزق في ترشيحاته بسبب حاجته إلى ترشيح يرفع اللائحة "معنوياً" كاسم بارز يلمّع صورتها، لا سيما وأنّ المرشحين الحزبيين المطروحين للسباق الداخلي، باتوا مُستهلكين ولا يبدون قدرة على رفع اللائحة، ويصعب عليهم استقطاب شرائح جديدة. لهذا يبحث "التيار" عن أسماء تساعده في خوض معركة متكافئة، تمكنه بالحدّ الأدنى من تأمين حاصل انتخابي.
- تسعى "القوات" إلى توسيع حضورها، مع العلم أنّ ملحم رياشي لا يزال الأول بين مرشحيها، وبالتالي إنّ المخاطرة بتركيز المعركة على مقعدين مارونيين، كما يتردد، يضعها في دائرة الخطر والحسابات الخاطئة.
- تعتقد الكتائب، وهي التي تقدم نفسها كحزب العهد، أنّها قادرة على التمدد نيابياً اذا ما أحسنت نسج تحالفها، لتتخطى عتبة الحاصلين وتخطف كسراً يعطيها النائب الثالث.
- على الرغم من أنّه الأول أرمنياً، إلا أنّ حزب الطاشناق لا ينام على حرير. اذ تكفي استعادة الساعات الأخيرة التي سبقت إعلان النتائج الرسمية في انتخابات 2022، للتأكد من أنّ الحزب الأرمني بات يحسب معركته بميزان التحالفات وليس عدد الأصوات التفضيلية.
في تلك الجولة كاد مرشح "القوات" آرا رافي بردقجيان يصير نائباً فيما لو بلغت لائحة المجتمع المدني عتبة الحاصل (كان الحاصل الأول 11,643 صوتاً واللائحة جمعت 11555 صوتاً)، وصار جاد غصن نائباً، لكانت "القوات" خسرت المقعد الماروني (رازي الحاج جمع 3459 صوتاً تفضيلياً) وربحت نائباً أرمنياً، وخسر بالتالي آغوب بقرادونيان المقعد ولو معه 4973 صوتاً تفضيلياً. وكان يومها على لائحة ميشال المر التي جمعت 15997 صوتاً. من هنا ترى الحزب الأرمني يفتح بابه لكل مسارات التفاوض، ولا يقفلها أمام أي فريق، حيث تدل المعطيات على أنّ الطاشناق لم يحسم خياره التحالفي بعد، والكلام صار جدياً مع معراب لبحث التفاهم معها.
هذا مع العلم أنّ الحزب يواجه معضلة وجودية تتمثل بتراجع عدد المقترعين الأرمن في كل لبنان وليس فقط في الخزان المتني، ما يعني تراجع قدرته التعبوية خصوصاً إذا ما مُنع المغتربون من الإقتراع في دول الاغتراب، وهو المرجح. - إنّ أهم متغيّر في معركة المتن، سيكون مرتبطاً بمصير الـ11555 صوتاً التي جمعتها لائحة التيار المدني، والتي عبّرت عن صوت اعتراضي متني، لا شيء يجمعه إلا بكونه ضدّ كل المنظومة.
في الواقع، لا تمثل هذه اللائحة فريقاً أو تجمعاً بحد ذاته، حتى لو ادعى كثرٌ أبوّتها، لكنها عبارة عن موقف سلبي سجّله المتنيون بوجه بقية القوى السياسية، حتى تلك المعارضة منها. من هنا السؤال: كيف ستتوزّع هذه الأصوات؟ من سيتمكن من استقطابها؟
هذه الأسئلة ناجمة عن تراجع الحركة الاعتراضية في الجو العام، لا سيما تلك التي كانت مسيطرة عشية الانتخابات الماضية وتمّ تأطيرها ضمن منصات سياسية، سرعان ما غابت مع اقفال صناديق الاقتراع، لكنها تمكنت من تشكيل حالة شعبية كارهة للطبقة السياسية. وباتت هذه الحالة رهن من يستطيع استقطابها واقناعها.
أرقام 2022
عدد الناخبين الإجمالي 183,441 المسجلين في العام 2022، فيما المسجلين في العام 2018 بلغ 179,919 ناخباً، أي بزيادة 3,522 ناخباً، ما نسبته 1.95 %. ارتفع عدد الناخبين الموارنة 1,352 ناخباً فيما تراجع عدد الناخبين الأرمن 412 ناخباً، وفق الدولية للمعلومات.
بلغ عدد الأوراق المعول عليها مع الأوراق البيضاء 93,149 فكان الحاصل الانتخابي 11,643 صوتاً، ليصير بعد حسم أصوات اللوائح الملغاة 10,115 صوتاً.
إقرأ أيضاً: قطار الانتخابات انطلق










