بالريشة

إيران تحت القبضة الأمنية: هل تكبح الاعتقالات موجة الاحتجاج أم تؤجل الانفجار؟

تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 تصاعدًا جديدًا في موجة احتجاجات واسعة في عدد كبير من المدن، في واحدة من أبرز الانتفاضات الشعبية منذ سنوات. بدأت الشرارة الأولى من العاصمة طهران عندما نفّذ أصحاب المتاجر إضرابًا احتجاجًا على ارتفاع الأسعار، التضخّم الحاد، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، قبل أن ينتقل الحراك سريعًا إلى ولايات ومدن أخرى مثل أصفهان، لرستان، كرمانشاه، وزاهدان، مما يدل على اتساع نطاق الاحتجاجات وتعمّقها في المجتمع الإيراني.

ترجع أسباب هذه الاحتجاجات في المقام الأول إلى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تشهدها البلاد، حيث يعاني الإيرانيون من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وضعف قيمة الريال، فضلًا عن استمرار العقوبات الدولية والمشكلات البنيوية في الاقتصاد.
منذ اندلاعها، واجهت الاحتجاجات رد فعل قويًا من السلطات الإيرانية. فقد استخدمت قوات الأمن والحرس الثوري، وداعموه من ميليشيا "الباسيج"، الغاز المسيل للدموع، والرصاص الحي في بعض المناطق، والاعتقالات الواسعة، في محاولة لاحتواء التظاهرات وإحكام السيطرة، لا سيما في المناطق التي تشهد تصعيدًا مثل غرب البلاد وبعض الأحياء في طهران. وقد أسفرت المواجهات عن مقتل ما لا يقل عن 16 شخصًا، بينهم متظاهرون وعناصر من الأمن، مع توقّع ارتفاع هذا العدد مع استمرار الاحتجاجات.
برّرت السلطات هذه الإجراءات الأمنية بقضية “إبعاد المخربين والجهات الخارجية”، حيث اتهمت الحكومة الاحتجاجات بأنها مدفوعة بتدخلات خارجية تهدف إلى تقويض الاستقرار الداخلي، في حين أعلن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في خطاب متشدّد أن الدولة لن تتهاون مع "المخلّين بالنظام".
في ردود الفعل الدولية، أثارت هذه الاحتجاجات قلقًا واسعًا في الخارج. فقد هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصريحات علنية، بأن الولايات المتحدة قد تتدخل لحماية المتظاهرين السلميين إذا تواصلت عمليات القمع العنيف ضدهم، في رسالة حملت دلالات تصعيدية في العلاقات بين واشنطن وطهران، على خلفية حقوق الإنسان.
على الأرض، امتدّت موجة الاحتجاجات لتشمل دعوات وإضرابات في جامعات إيرانية أيضًا، مع انتشار شعور عام بعدم الرضا تجاه السياسات الاقتصادية والسياسية. وأصبح الفضاء الرقمي، رغم القيود الحكومية، ساحة إضافية لنقل صور الاحتجاجات، رغم جهود السلطات لفرض رقابة مشدّدة على الإنترنت واعتقال بعض الناشطين في الشبكات الاجتماعية بتهم "التحريض على الشغب".

من هم المستهدفون بالاعتقالات؟
تشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن الاعتقالات طالت نشطاء سياسيين معروفين بانتقادهم للسلطات، طلاب جامعات شاركوا في المظاهرات أو دعوات الإضراب، أصحاب محلات ومتظاهرين عاديين شاركوا في المظاهرات الاقتصادية الاجتماعية، وصحفيين ومدوّنين نقلوا صور الاحتجاجات أو دعوا إليها عبر الإنترنت.
وقد أبلغ بعض المعتقلين عائلاتهم عن تعرضهم للتعذيب النفسي والضغط لاستدراجهم إلى الاعتراف بارتباطهم "بجهات خارجية"، وهو السرد الذي تعتمد عليه السلطات لتبرير حملات الاعتقال.
لم تقتصر الاعتقالات على الشارع فقط، بل طالت أيضًا النشطاء في الفضاء الإلكتروني، اذ توقّفت حسابات على منصات مثل إنستغرام وتيلغرام بعد نشرها مقاطع من المظاهرات. أفادت مصادر حقوقية بأن عناصر من الأمن الإلكتروني استدعوا بعض الناشطين إلى وحدات التحقيق الأمني، ثم اعتقلوهم لاحقًا بتهم "التحريض على الشغب" و"زعزعة الأمن". كما باشرت السلطات حجب بعض خدمات الإنترنت في مناطق احتجاج مكثّفة، ما يعيق الاتصال ونشر المحتوى، ويزيد من التوتّر بين الحكومة والمجتمع.

أهداف الاعتقالات من منظور السلطات
تُظهر بيانات رسمية غير مفصّلة أحيانًا، تصريحات لمسؤولين إيرانيين بأن الهدف من الاعتقالات هو "إحباط مخطط لجماعات خارجة عن القانون"، لأن هناك "محاولات للتغلغل من قبل دول ودولارات أجنبية" تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد. ما يصفونه بـ"الفتنة" يجب أن يُقابل بـ"حزم وحماية الأمن القومي".
بحسب تقارير غير رسمية، لم تُكتفِ الاعتقالات باستهداف الشارع، بل وصلت إلى بعض الموظفين الحكوميين الذين تحدثوا بشكل نقدي عن الأوضاع الاقتصادية، وأعضاء هيئة تدريس جامعات أعربوا عن دعمهم للطلبة المحتجين. وهذا يشير إلى أن موجة الاعتقالات بدأت تتجاوز حدود الميدان لتصل إلى ما يُعدّون "نخبًا غير منخرطة في السياسة الصريحة"، ما يرفع سقف الخلاف الداخلي.
وفي ظل استمرار الاحتجاجات، قد تتصاعد هذه الحملات، ما يخلق حلقة تصعيد جديدة بين الشارع والسلطة، وقد يؤثر ذلك على استقرار الداخل الإيراني، حتى لو لم يصل إلى مستوى تهديد النظام ككيان سياسي.

إقرأ أيضاً: الاحتجاجات تعود إلى إيران: أزمة معيشة أم بداية كسر سياسي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى