
شهدت الحدود بين سوريا ولبنان خلال الأيام والأسابيع الأخيرة تصعيداً لافتاً في الانتشار العسكري السوري، بسبب تعزيزات عسكرية كبيرة وانتشار واسع للوحدات على طول الشريط الحدودي، ما أثار تساؤلات حول أهدافه واحتمالات تحوّله إلى توغل داخل الأراضي اللبنانية.
تشير المعطيات إلى أن الجيش السوري دفع بـآلاف الجنود إلى المناطق الحدودية، مدعوماً بوحدات صاروخية وقاذفات ميدانية، بما في ذلك منظومات غراد وكاتيوشا، إضافة إلى آليات مدرعة ووحدات مشاة.
حتى الآن، المعطيات متناقضة حيال التوغّل السوري عبر الحدود الشرقية. ثمة من يقول إنّ القيادة السورية متهيّبة للأمر وتخشى الانزلاق إلى معارك قد تستنزف قواها العسكرية ولهذا تتردد في هذا الأمر، فيما يرى البعض الآخر أنّ تركيا تدعم دمشق في قرارها والاكتفاء بحماية حدودها من دون الانخراط في عمل عسكري داخل الحدود اللبنانية. وثمة طرف ثالث يقول إنّ المطلوب من السوريين هو وضع اليدّ على مخازن "الحزب" في السلسلة الشرقية من دون التوغل في العمق اللبناني. ولكن حتى الآن، الحذر هو سيد الموقف.
جغرافياً، يتركز هذا الانتشار في عدة قطاعات أساسية على الحدود الشرقية للبنان. فالقطاع الشمالي – الشرقي الممتد من القاع حتى منطقة النبك تقابله وحدات عسكرية سورية أبرزها الفرقة 52، التي تغطي المرتفعات المقابلة لبلدات بعلبك. كما تنتشر الفرقة 44 بين النبك ومعبر المصنع، لتشرف على ممرات استراتيجية تربط البقاع الأوسط بالداخل السوري. أما القطاع الجنوبي الممتد نحو راشيا، فتغطيه وحدات أخرى مثل الفرقة 77، وإن كان انتشارها أقل كثافة.
يُلاحظ أن هذه المناطق تُعد من أكثر النقاط حساسية على الحدود اللبنانية – السورية، نظراً لتداخلها الجغرافي وكثرة المعابر غير الشرعية فيها، ما يجعلها مسرحاً تقليدياً لعمليات التهريب والتنقل غير المنضبط. لذلك، تركّز الوحدات المنتشرة على مهام المراقبة والاستطلاع وضبط الحدود ومنع أي اختراق أمني.
في المقابل، تؤكد دمشق رسمياً أن هذا الانتشار هو إجراء دفاعي بحت، يهدف إلى حماية الحدود ومنع انتقال الفوضى من الساحة اللبنانية إلى الداخل السوري، إلا أن بعض المؤشرات الميدانية، مثل حجم القوات ونوعية الأسلحة المنتشرة، تفتح الباب أمام قراءة مختلفة تتحدث عن رفع الجهوزية لاحتمالات أوسع.
حتى الآن لا توجد مؤشرات حاسمة على نية سورية مباشرة لتنفيذ عملية عسكرية عبر الحدود. بل على العكس، صدرت تصريحات رسمية تنفي وجود نية هجومية، وتؤكد أن الانتشار يندرج ضمن إطار وقائي. ومع ذلك، يبقى هذا الاحتمال قائماً نظرياً في حال حدوث تطورات ميدانية مفاجئة، مثل انهيار أمني واسع في المناطق الحدودية أو توسع الاشتباكات الإقليمية.
يبلغ طول الحدود بين لبنان وسوريا نحو 375 كيلومتراً، وهي تمتد من أقصى الشمال عند منطقة العريضة وصولاً إلى الجنوب الشرقي عند تخوم جبل الشيخ. وتُعد هذه الحدود من أكثر الحدود تعقيداً جغرافياً في المنطقة، بسبب طبيعتها الجبلية وتداخل القرى والمعابر غير الرسمية، خصوصاً على طول السلسلة الشرقية.
معظم التعزيزات العسكرية السورية تتركز مقابلة مباشرة للسلسلة الشرقية، وليس بعيداً عنها. فهذه السلسلة الجبلية تشكل العمود الفقري للحدود بين البلدين، وتمتد من شمال البقاع مروراً بـالقاع وعرسال وصولاً إلى مناطق راشيا.
تشير المعطيات إلى أن الانتشار السوري يتركز في محاور أساسية مقابلة للبقاع اللبناني:
- منطقة القصير – القلمون الغربي: مقابل الهرمل والقصير، وهي منطقة حساسة استراتيجياً.
- منطقة النبك والقلمون الأوسط: مقابل عرسال وجرودها.
- محور المصنع – الزبداني: مقابل البقاع الأوسط.
- جنوباً نحو سرغايا وراشيا: مقابل سفوح جبل الشيخ.
هذه المناطق كلها تقع على تماس مباشر مع السلسلة الشرقية أو خلفها مباشرة، ما يعني أن الانتشار يتم في نقاط إشراف مرتفعة تطل على الداخل اللبناني.
تُعد السلسلة الشرقية، وخصوصاً مناطق جرود عرسال والقلمون، من المناطق التي يُتداول منذ سنوات أنها تحتوي على ممرات لوجستية ومخازن مرتبطة بالحزب نظراً لطبيعتها الجغرافية الوعرة وصعوبة ضبطها بشكل كامل.
إقرأ أيضاً: الجبهة الجنوبية مشتعلة… والأفق مسدود







