
تُعدّ بنت جبيل واحدة من أبرز النقاط ذات الأهمية العسكرية والرمزية السياسية في جنوب لبنان، ولا سيما بالنسبة إلى "الحزب". فمنذ حرب تموز 2006، تحوّلت المدينة إلى ما يشبه “عاصمة المقاومة”، بعدما شهدت مواجهات عنيفة بين مقاتلي "الحزب" والجيش الإسرائيلي، وبرزت فيها قدرة الحزب على الصمود وإلحاق خسائر بالقوات المتقدمة.
عسكرياً، تقع بنت جبيل في موقع استراتيجي قريب من الحدود مع إسرائيل، ما يجعلها نقطة تماس مباشرة في أي مواجهة. طبيعتها الجغرافية وتداخلها العمراني يمنحان أفضلية في حرب الشوارع، وهو نمط القتال الذي أظهر الحزب فيه فعالية عالية. كما تُستخدم المنطقة كجزء من شبكة أوسع من المواقع الدفاعية، ما يجعل أي توغل إسرائيلي فيها مكلفاً ومعقّداً، سواء من حيث التقدم أو تثبيت السيطرة.
أما سياسياً، فترتبط بنت جبيل برمزية خاصة داخل خطاب "الحزب". فهي ليست مجرد ساحة قتال، بل تمثل نموذجاً للثبات والانتصار في الوعي الجماعي لأنصاره. الخطابات التي أُلقيت فيها بعد حرب 2006، وما رافقها من توصيفات مثل "بيت العنكبوت"، رسّخت صورتها كرمز لتراجع الردع الإسرائيلي في مواجهة المقاومة. لذلك، فإن أي تطور ميداني فيها يُقرأ دائماً بأبعاد تتجاوز الجغرافيا إلى المعنويات والتوازنات.
في ضوء التوغل الإسرائيلي الأخير، تعود بنت جبيل إلى الواجهة كمؤشر حساس على مسار المواجهة. فنجاح إسرائيل في تحقيق تقدم ملموس داخلها، حتى لو كان محدوداً، قد يُستخدم سياسياً لمحاولة كسر هذه الرمزية.
تشهد بنت جبيل وضعًا عسكريًا معقّدًا يتجاوز فكرة “السيطرة” التقليدية، إذ تدور فيها معركة مفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و"الحزب" من دون حسم نهائي حتى الآن. فميدانيًا، تمكنت القوات الإسرائيلية من تطويق المدينة من عدة محاور والتوغل في أطرافها وبعض أحيائها، في محاولة لعزلها عن محيطها وفرض واقع عسكري جديد.
القتال داخل بنت جبيل اتخذ طابع حرب الشوارع، وهو من أكثر أشكال القتال تعقيدًا وخطورة، حيث تفقد الآليات الثقيلة جزءًا كبيرًا من فعاليتها، ويصبح الاشتباك قريبًا ومباشرًا. في هذا السياق، يعتمد "الحزب" على تكتيكات الكمائن والضربات السريعة، مستفيدًا من معرفته الميدانية بطبيعة الأرض، ما يحدّ من قدرة الجيش الإسرائيلي على تثبيت سيطرة مستقرة. ورغم الحديث عن خسائر بشرية في صفوف "الحزب"، إلا أن المعطيات تشير إلى استمرار وجود مقاتليه داخل المدينة، ما يؤكد أن بنيته القتالية لم تنهَر.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن بنت جبيل اليوم ليست تحت سيطرة أي طرف بشكل كامل، بل هي ساحة اشتباك مفتوحة، تُدار فيها معركة استنزاف حقيقية. والرهان الأساسي لا يكمن فقط في القدرة على دخول المدينة، بل في إمكانية الاحتفاظ بها، وهو تحدٍ تاريخيًا أثبت أنه أكثر تعقيدًا، كما أظهرت تجارب سابقة في الجنوب اللبناني.
إقرأ أيضاً: التفاوض مع إسرائيل: هل يُلاحَق الموفدون بجرم التواصل مع العدو؟







