بالريشة

26 نيسان 2005: يوم انكسرت الوصاية السورية

في 26 نيسان 2005، طُويت صفحة امتدت نحو ثلاثة عقود من الوجود العسكري السوري في لبنان، في مشهد لم يكن مجرد انسحاب تقني لقوات، بل لحظة سياسية مفصلية أعادت رسم توازنات الداخل اللبناني وفتحت الباب على مرحلة جديدة بكل تعقيداتها. جاء هذا الانسحاب تتويجاً لمسار متسارع من الضغوط الداخلية والخارجية، بدأ يتبلور بوضوح بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وهو الحدث الذي فجّر موجة احتجاجات غير مسبوقة ضد الوصاية السورية.

في الأسابيع التي سبقت 26 نيسان، شهد لبنان حراكاً شعبياً واسعاً عُرف لاحقاً باسم انتفاضة الاستقلال 2005، حيث نزل مئات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع، خصوصاً في ساحة الشهداء في بيروت، مطالبين بانسحاب الجيش السوري وكشف الحقيقة في اغتيال الحريري. هذا الضغط الشعبي ترافق مع ضغط دولي متزايد، تُرجم بوضوح في قرار مجلس الأمن 1559 الذي دعا إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات.

في المقابل، حاولت دمشق في البداية احتواء الموقف عبر إعادة تموضع جزئي لقواتها في لبنان، لكنها وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: تصاعد الغضب الشعبي في الداخل اللبناني، وتزايد العزلة الدولية، خاصة بعد تنسيق أمريكي–فرنسي غير مسبوق في هذا الملف. ومع تسارع الأحداث، أعلنت سوريا قرارها بالانسحاب الكامل، وبدأت عملية سحب القوات والمعدات بشكل تدريجي من مختلف المناطق اللبنانية، وصولاً إلى البقاع ثم إلى الحدود.

في 26 نيسان، أُعلن رسمياً انتهاء الوجود العسكري السوري، مع عبور آخر الوحدات العسكرية إلى داخل الأراضي السورية. هذا المشهد، الذي تابعه اللبنانيون بكثافة، حمل دلالات رمزية عميقة: نهاية مرحلة بدأت عملياً مع دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 في سياق الحرب الأهلية، وترسخت لاحقاً عبر اتفاقات سياسية وأمنية جعلت من دمشق لاعباً أساسياً في القرار اللبناني.

لكن هذا الانسحاب لم يكن نهاية النفوذ السوري في لبنان بقدر ما كان تحوّلاً في طبيعته. فشبكات العلاقات السياسية والأمنية التي بُنيت على مدى سنوات طويلة لم تختفِ بين ليلة وضحاها، بل استمرت بأشكال مختلفة، ما جعل المشهد اللبناني بعد 2005 أكثر تعقيداً، لا أقل. كما أن الانقسام الداخلي الذي برز بوضوح بين فريقي 8 و14 آذار عكس حقيقة أن مسألة العلاقة مع سوريا لم تُحسم، بل انتقلت من إطار السيطرة المباشرة إلى ساحة الصراع السياسي الداخلي.
بكلمات أخرى، 26 نيسان 2005 لم يكن نهاية قصة، بل بداية فصل جديد منها. خروج الجيش السوري أنهى حقبة الوصاية العسكرية، لكنه أطلق في الوقت نفسه ديناميات جديدة من التنافس الداخلي والتجاذب الإقليمي، ما زالت تداعياتها حاضرة في لبنان حتى اليوم.

إقرأ أيضاً: إيران بين نارين: صراع المتشددين والبراغماتيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى