قصة كبيرة

جوزاف عون يسدد دينه!

يبدو المشهد اليوم كأنّ الرئيس جوزاف عون يسدّد ديناً متراكماً في ذمّته، ديناً للبنانيين عموماً، وللمسيحيين منهم خصوصاً. فمنذ أن قرّر رئيس الجمهورية أن يأخذ زمام المبادرة بيده، ويدفع بلبنان نحو خوض غمار المفاوضات المباشرة، مؤمناً بأنها السبيل الوحيد المتاح لانتشاله من دوامة الحروب المتكررة والعنف المتجدد، تحوّلت نظرة شرائح واسعة من اللبنانيين تجاه الرئاسة الأولى، وبدأت صورتها تستعيد شيئاً من بريقها الذي كان يخبو.

هذا الدين ظلّ مستحقاً منذ أشهر طويلة، ولم يُسدَّد إلا بعد حين. إذ حين اعتلى جوزاف عون سدّة رئاسة الجمهورية، أطلق وعوداً كبرى أمام اللبنانيين، ورسم لهم أفقاً مضيئاً بقيام دولة القانون والمؤسسات. تلا على مسامعهم خطاب قسم استثنائي، أيقظ في نفوسهم، مسيحيين ومسلمين على حدٍّ سواء، حلماً قديماً بقيام دولة عادلة آمنة مستقرة، قوامها المؤسسات الراسخة، وتسير بخطى ثابتة نحو مستقبل مختلف. لكنّ العهد، رئاسةً وحكومةً، سرعان ما أعاد اللبنانيين إلى واقعهم المحبط، وأنزلهم من جديد قاع الخيبة.

مرّت سنة ونصف على عهد جوزاف عون، من دون أن تتقدم مسألة حصرية السلاح خطوةً واحدة إلى الأمام. مشاورات مكوكية لا تشغل إلا الفضاء، لكن من دون أن تُفضي إلى نتيجة ملموسة. في الوقت ذاته، تواصل البلاد الغرق في بحر من الفساد والمحسوبيات والزبائنية السياسية، التي باتت متجذّرة في جسم الدولة ما يجعلها عصيّة على الاقتلاع.
لم يُقدّم عهد جوزاف عون جديداً، بل إنّ التعيينات الإدارية والقضائية والأمنية جاءت دون مستوى المرحلة وأقل من عادية، بل إنها أمعنت في اعتماد المحسوبيات والحسابات الضيّقة التي لا تنسجم مع أيّ خطاب إصلاحي، ولا تليق بدولة تُعلن رغبتها في النهوض والتجدد.

هكذا كان عهد جوزاف عون، في غضون أقل من عام، يتجه نزولاً بوتيرة متسارعة، في انحدار لم يسبق لرئيس قبله أن اختبره بهذه السرعة. وعود خطاب القسم الرنّانة تبخّرت وذابت عند أوّل استحقاق جدّي، سيادياً كان أم سياسياً.
بيد أنّ الاندفاعة الدبلوماسية التي أطلقها الرئيس، مسلّحاً بقناعة راسخة لا تهزّها الانتقادات، جاءت لتقلب المشهد رأساً على عقب. وخلاصة هذه القناعة أنّ التفاوض المباشر مع إسرائيل هو السبيل الوحيد الواقعي لانتشال لبنان من دوامة الحروب المتكررة، وأنّ كل بديل آخر ليس سوى مراهنة على خسارة مؤجّلة.

يقول عون بصراحة لا تحتمل التأويل: "لا عودة عن مسار المفاوضات لأنه لا خيار آخر أمامنا، وهو يصبّ في خانة جميع اللبنانيين، فالمعاناة تطال الجميع دون استثناء، وقد تعب اللبنانيون جميعاً من الحروب ونتائجها الكارثية."

وتكشف المواقف المتتالية للرئيس عون عن رؤية استراتيجية واضحة المعالم، تقوم على ثوابت محدّدة: تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله من هشاشة إلى متانة، وضمان الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية في الجنوب، واستعادة الأسرى، ومعالجة الخلافات الحدودية العالقة بصورة جذرية ودائمة.

لاقت هذه الرؤية صدىً واسعاً في الأوساط الشعبية، لا سيما في البيئة المسيحية التي تتعامل مع دعوة عون للتفاوض على أنها خيار وجودي لا استراتيجي فحسب. وقد بات العديد القوى السياسية يرى في هذه المبادرة تقدّماً نوعياً في الموقف اللبناني، بعدما وضع الرئيس اللبنانيين أمام خيارين لا ثالث لهما ولا مفرّ منهما: إما الاستمرار في الحرب بكل ما تجرّه من كوارث إنسانية واجتماعية واقتصادية لا تُحصى، وإما التفاوض لوضع حدٍّ لها ومدّ جسور نحو الاستقرار المستدام.

رسالة جوزاف عون باتت واضحة لا تحتمل التفسيرات المتعددة: الدولة وحدها هي من تقود المرحلة المقبلة، والرهان لا يقتصر على التفاوض بوصفه أداةً دبلوماسية، بل يمتد ليشمل استعادة السيادة الوطنية كاملةً غير منقوصة. وقد أسهمت هذه المبادرة في تحسين صورة الرئاسة الأولى ورفع أسهمها في الشارع اللبناني، وبخاصة في الأوساط المسيحية التي رأت فيها تجسيداً فعلياً لمفهوم الدولة التي طالما حلمت بها.

لكنّ لكل خيار ثمنه، ولا خيار بلا تبعات. فالرئاسة الأولى باتت تتعرّض لاستهداف متصاعد من جمهور "الثنائي الشيعي" الذي يلتفّ ضد هذا المسار ويرفضه رفضاً قاطعاً، معتبراً إياه تفريطاً بالثوابت وانزلاقاً نحو التطبيع. كما أنّ الدفع باتجاه المفاوضات المباشرة قد فتح أمام عون باب البيت الأبيض، لكن بشروط قاسية وثمن سياسي مُرهق.

وأبرز هذه الشروط وأشدّها إحراجاً: مصافحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهو أمر مرفوض من قِبَل شرائح واسعة من اللبنانيين، طالما أنّ إسرائيل لم تُوقف اعتداءاتها ولا تزال تحتل مساحات من الأراضي اللبنانية في الجنوب. وهنا يجد الرئيس عون نفسه محاصراً بين خيارين كلاهما مُكلف: رفض اللقاء سيضع الرئاسة الأولى في موقف حرج أمام الإدارة الأمريكية التي ترى فيه شريكاً ينبغي أن يُبدي مرونةً. في حين أنّ القبول بالمصافحة سيكون ثمنه الشعبي والسياسي أفدح وأكثر وطأة.

من هنا الإرباك الحقيقي الذي يصيب الرئاسة الأولى في هذه المرحلة الدقيقة: أن تسير في درب التفاوض حتى نهايته يعني التعرّض لاستهدافات متعددة الاتجاهات، وأن تتوقف في منتصف الطريق يعني إهدار رصيد دبلوماسي بُني بجهد وبثمن…

إقرأ أيضاً: عون يَسبق سلام إلى واشنطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى