
تعاملت الصحف الصينية مع زيارة دونالد ترامب من زاويتين متوازيتين: الأولى سياسية – استراتيجية ترتبط بمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، والثانية إعلامية – دعائية تعكس الطريقة التي تريد بكين من خلالها تقديم نفسها كقوة عالمية مستقرة في مقابل صورة أميركية توصف في الإعلام الصيني بأنها متقلبة ومشحونة بالانقسامات الداخلية.
الصحف الرسمية الصينية، وفي مقدمها People's Daily وGlobal Times، عادة ما تتعامل مع أي تحرك لترامب بحذر شديد، نظراً إلى الإرث الذي تركه خلال ولايته، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب التجارية، والعقوبات التكنولوجية، والتوتر حول تايوان، والقيود على الشركات الصينية. لذلك، فإن تغطية الزيارة لا تأتي بوصفها حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل باعتبارها اختباراً لاتجاه العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم.
ركزت بعض الصحف والتحليلات الصينية على شخصية ترامب نفسها، باعتباره زعيماً غير تقليدي يعتمد على عنصر المفاجأة والخطاب الشعبوي، وهو ما يجعل التعامل معه أكثر تعقيداً بالنسبة إلى صناع القرار في بكين. وفي الوقت نفسه، حاول الإعلام الصيني الفصل بين “ترامب الشخص” و”المؤسسة الأميركية”، عبر الإيحاء بأن الخلافات بين واشنطن وبكين أعمق من مجرد رئيس أو إدارة، وأن التنافس الاستراتيجي سيستمر حتى مع تغير الوجوه السياسية.
كما أولت الصحف الصينية اهتماماً كبيراً للجانب الاقتصادي من الزيارة. فالإعلام الرسمي غالباً ما يقدم الصين بوصفها شريكاً تجارياً لا يمكن تجاهله، ويشدد على أن أي تصعيد اقتصادي أو تجاري مع بكين سيؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي نفسه. ومن هنا، ركزت التغطيات على الرسائل المتعلقة بالتجارة، والاستثمارات، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، خصوصاً في ظل استمرار التوتر حول الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
في المقابل، لم تغب اللغة القومية عن بعض المقالات والتعليقات، إذ سعت صحف قومية صينية إلى التأكيد أن بكين لم تعد في موقع الطرف الذي يتلقى الضغوط الأميركية كما كان الحال قبل سنوات. وجرى تقديم الصين كقوة واثقة من نفسها، قادرة على الصمود في وجه العقوبات والحصار الاقتصادي، بل وعلى منافسة الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والنفوذ الدولي.
من اللافت أيضاً أن الإعلام الصيني حاول استثمار الزيارة لإبراز صورة الاستقرار الداخلي في الصين، مقارنة بما تصفه الصحف الصينية بالفوضى السياسية والانقسام الحاد داخل الولايات المتحدة. فكثيراً ما تركز المقالات الصينية على الانتخابات الأميركية، والخلافات الحزبية، والأزمات الاجتماعية، لتقديم النموذج الصيني باعتباره أكثر قدرة على التخطيط الطويل الأمد واتخاذ القرارات الاستراتيجية بعيداً عن الضغوط الانتخابية.
كذلك، تابعت الصحف الصينية ردود الفعل الدولية على الزيارة، لا سيما في آسيا وأوروبا، إذ تعتبر بكين أن أي تحرك أميركي تجاه الصين لا يقتصر تأثيره على العلاقة الثنائية فقط، بل يمتد إلى توازنات النظام العالمي بأكمله. لذلك، غالباً ما تربط التغطيات بين زيارة ترامب وبين ملفات أوسع، مثل مستقبل التجارة العالمية، والنفوذ في منطقة آسيا – المحيط الهادئ، والتنافس على قيادة الاقتصاد العالمي.
في المحصلة، يمكن القول إن تعاطي الصحف الصينية مع زيارة ترامب لم يكن مجرد تغطية إخبارية، بل كان جزءاً من معركة سرديات أوسع بين القوتين. فالإعلام الصيني حاول أن يظهر بلاده كدولة مستقرة وواثقة ومسؤولة، في مقابل تقديم الولايات المتحدة، وترامب تحديداً، كرمز لمرحلة دولية مضطربة وغير قابلة للتوقع.
إقرأ أيضاً: معرض فني معاصر للفنان وائل صالحة







