بالريشة

مرفأ جونية على الخارطة السياحية: جاهز ولكن...

خلال أيام قليلة تنطلق أول رحلة بحرية من مرفأ جونيه عبر باخرة سياحية ستقوم بـ3 رحلات أسبوعية، الأولى من جونيه إلى لارنكا - قبرص، والثانية من جونيه إلى مارسين - تركيا، والثالثة من جونيه الى اللاذقية، ومن اللاذقية الى مرسين.

يشكّل مرفأ جونية واحداً من المشاريع البحرية التي أثارت اهتماماً واسعاً في لبنان خلال الفترة الأخيرة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي المطلّ على خليج جونية، بل أيضاً لارتباطه بآمال متجددة بفتح نافذة بحرية إضافية أمام البلاد في ظل الأزمات الاقتصادية والضغط المتزايد على البنية التحتية التقليدية للنقل.

بعد سنوات طويلة من الإقفال أو الاستخدام المحدود، أعيد تأهيل المرفأ وتجهيزه وفق معايير تقنية وأمنية حديثة، شملت تحديث الأرصفة، وتطوير مرافق الاستقبال، وتعزيز إجراءات السلامة البحرية، بما يتيح له نظرياً استقبال البواخر السياحية والخدمات اللوجستية الخفيفة. وقد حصل المرفأ على جهوزية تشغيلية مبدئية، بما في ذلك الالتزام بالمعايير الدولية لأمن المرافئ (ISPS Code)، وهو شرط أساسي لأي حركة بحرية دولية منتظمة.

مع ذلك، فإن تحويل الجهوزية التقنية إلى تشغيل فعلي ومستمر لا يزال عملية تدريجية. فحتى الآن، لم يتحول مرفأ جونية إلى مركز نقل بحري كثيف أو بديل فعلي للمرافئ الرئيسية في البلاد، بل يقتصر دوره على استقبالات محدودة مرتبطة برحلات سياحية أو تجريبية، غالباً ضمن خطوط قصيرة تربط لبنان بقبرص، خصوصاً لارنكا، في إطار مشاريع سياحية موسمية أو تشغيل تجريبي.

هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين الطموح والقدرة التشغيلية الفعلية. فالمرافئ لا تُقاس فقط بالبنية التحتية، بل أيضاً بقدرة الدولة على إدارة الحركة البحرية، وتأمين شركات تشغيل مستقرة، وضمان استمرارية الخطوط، فضلاً عن البيئة السياسية والأمنية والتنظيمية التي تحدد حجم الثقة الدولية بالمرفق. وفي حالة لبنان، تبقى هذه العناصر مجتمعة غير مستقرة بما يكفي لخلق شبكة نقل بحري منتظمة عبر مرفأ جديد.

من جهة أخرى، ينظر كثيرون إلى مرفأ جونية بوصفه فرصة اقتصادية وسياحية واعدة، خصوصاً في ما يتعلق بتخفيف الضغط عن مطار بيروت، وتنشيط الحركة السياحية البحرية، وفتح مسارات جديدة نحو شرق المتوسط. إلا أن هذه الرؤية ما زالت تصطدم بعقبات عملية، أبرزها محدودية الاستثمارات التشغيلية، وضعف انتظام الشركات البحرية، وغياب خطة وطنية متكاملة لتوزيع حركة النقل بين المرافئ اللبنانية.

كما أن تشغيل المرفأ يبقى مرتبطاً بعوامل خارجية، مثل الطلب السياحي الموسمي، وأسعار النقل البحري، والتطورات الإقليمية التي تؤثر على حركة السفر في شرق المتوسط. وبالتالي، فإن أي توسع في النشاط لا يعتمد فقط على جاهزية المرفأ، بل على شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والسياسية.

في المحصلة، يمكن القول إن مرفأ جونية هو مشروع مفتوح على إمكانات كبيرة، لكنه لا يزال في طور التجربة والتثبيت التدريجي، وليس بعد في مرحلة التشغيل التجاري الكامل. وبين الطموح والواقع، يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: هل سيتمكن هذا المرفأ من التحول إلى عقدة بحرية فاعلة، أم سيبقى مشروعاً واعداً يعمل ضمن حدود محدودة وموسمية؟

إقرأ أيضاً: معرض فني معاصر للفنان وائل صالحة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى