بالريشة

قلعة الشقيف: الصخرة التي لا تنام

على قمة صخرية شاهقة ترتفع أكثر من 700 متر عن سطح البحر، تقف قلعة الشقيف، أو ما يُعرف تاريخياً بقلعة "بوفور"، كحارس تاريخي يطل على جبال وعرة ووديان سحيقة في جنوب لبنان. لم تكن هذه القلعة يوماً مجرد معلم سياحي أو إرث أثري، بل شكّلت على مر العقود والقرون نقطة الارتكاز العسكرية الأهم في المنطقة، وعقدة جغرافية تحكّمت بمصائر معارك كبرى في الصراع العربي الإسرائيلي.

تنفرد القلعة بموقعها المميز على قمة جبلية تطل على المنطقة بكاملها وعلى مجرى نهر الليطاني، حيث الطرقات التي تربط الساحل الجنوبي بالبقاع ودمشق. أما عن نشأتها، فتشير الروايات التاريخية إلى أن القلعة تعود في أصلها إلى العهد الروماني، قبل أن يوسّع الصليبيون بناءها في القرن الثاني عشر. أطلق الصليبيون عليها اسم "بيل فورت" أي "القلعة الجميلة"، فيما اسمها العربي "قلعة الشقيف" مشتق من الكلمة الآرامية التي تعني "الصخور العالية".

في الفترة الصليبية، انتزع ملك القدس "فولك" القلعةَ من حاكم دمشق وسلّمها إلى حكام صيدا الصليبيين عام 1138، ولم تلبث أن سقطت بيد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار دام سنتين. لكن الصليبيين استعادوها بعد ستين عاماً، قبل أن يُحكم السلطان بيبرس قبضته عليها نهائياً عام 1268. وقد أعاد فخر الدين الثاني المعني ترميمها لاحقاً، لتبقى شاهداً حياً على تعاقب الحضارات.

ثروة جغرافية لا تُعادل

تُشكّل قلعة الشقيف نقطة إشراف حاكمة على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة. إذ تمنح قدرة واسعة على الإشراف والمراقبة على مناطق تمتد من وادي السلوقي ونهر الليطاني وصولاً إلى محاور رئيسية في منطقتي النبطية ومرجعيون. هذا الموقع الفريد جعلها عبر القرون ما يشبه "عين العملاق" التي لا يخفى عليها شيء في المنطقة المحيطة.

بقيت قلعة الشقيف حاضرة في جميع الحروب والمعارك مع إسرائيل منذ عام 1982 وحتى اليوم بسبب موقعها الاستراتيجي. القلعة تطل على مستوطنة المطلة وتبعد عنها أقل من أربعة كيلومترات، ومن يسيطر عليها يستطيع الإشراف على الطيبة ودير سريان والقنطرة؛ ولذلك لا يستطيع الجيش الإسرائيلي تركها خارج سيطرته إذا أراد البقاء في المنطقة التي يتمركز فيها. يضاف إلى ذلك أن الموقع يضم ممرات وأنفاقاً تاريخية قديمة تزيد من قيمته الميدانية.

تعرّضت القلعة لتخريب إسرائيلي خلال الاجتياح عام 1982، حين استخدمها الجيش الإسرائيلي مركزاً عسكرياً، وعملت قواته على تدمير معالمها الأثرية، فتداعت وتشقّقت جدرانها بفعل الآليات العسكرية. والغارات المدفعية دمّرت البرج الرئيسي والجدران الخارجية للقلعة خلال سنين الاحتلال.

أمس، أعلن الجيش الإسرائيلي مجدداً إحكام سيطرته على قلعة الشقيف ضمن عملية تركّز على "فرض السيطرة العملياتية على مرتفعات الشقيف ومنطقة وادي السلوقي" بهدف تفكيك البنية التحتية لحزب الله في المنطقتين.

تبقى قلعة الشقيف أكثر من حجارة وأبراج؛ إنها مرآة الصراع على جنوب لبنان عبر تسعة قرون. من سيوف الصليبيين إلى دبابات القرن الحادي والعشرين، لم تتغير حقيقة واحدة: من يمسك بالشقيف يمسك بمفتاح الجنوب.

إقرأ أيضاً: 26 نيسان 2005: يوم انكسرت الوصاية السورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى