
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ وعودة الهدوء النسبي إلى لبنان، راهن كثير من اللبنانيين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم على أن يكون صيف هذا العام فرصة طال انتظارها لزيارة الوطن، بعد أشهر طويلة من القلق والحرب والتردد في السفر. غير أن آمال آلاف المغتربين اصطدمت بواقع مختلف، تمثل في الارتفاع الملحوظ لأسعار تذاكر السفر، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً بين أبناء الجاليات اللبنانية، ولا سيما أولئك الذين يخططون لقضاء عطلتهم الصيفية مع عائلاتهم في لبنان.
خلال الأيام الماضية، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بشكاوى المغتربين الذين اعتبروا أن كلفة السفر أصبحت تشكل عائقاً حقيقياً أمام زيارتهم لبلدهم، خصوصاً أن كثيرين منهم كانوا ينتظرون انتهاء الحرب لتحديد موعد العودة، على أمل أن تنخفض الأسعار مع استقرار الأوضاع الأمنية وعودة الحركة الجوية إلى طبيعتها.
يقول مغتربون إنهم فوجئوا ببقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، بل بزيادات على بعض الخطوط، رغم أن الظروف الأمنية التي كانت تبرر ارتفاع الأسعار سابقاً قد تبدلت. ويعتبر هؤلاء أن شركة طيران الشرق الأوسط مطالبة بأخذ أوضاع اللبنانيين المنتشرين في الاعتبار، خصوصاً أن آلاف العائلات تسافر خلال فترة الصيف دفعة واحدة، ما يجعل كلفة الرحلة عبئاً مالياً كبيراً.
تكشف الأسعار المتداولة حالياً أن السفر إلى لبنان أصبح مكلفاً من معظم الوجهات الرئيسية التي تضم جاليات لبنانية كبيرة. فالمسافر من الولايات المتحدة، سواء من نيويورك أو ديترويت أو لوس أنجلوس، قد يدفع بين 1200 و1800 دولار للتذكرة ذهاباً وإياباً في الدرجة السياحية، فيما قد تتجاوز الأسعار ألفي دولار كلما اقترب موعد السفر أو خلال فترات الذروة.
أما القادمون من أوروبا، حيث تتركز جاليات لبنانية واسعة في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا، فتتراوح أسعار التذاكر عادة بين 500 و900 دولار، مع تسجيل أسعار تفوق ألف دولار في بعض الرحلات المباشرة خلال شهري تموز وآب.
لا تبدو الصورة أفضل بالنسبة للمغتربين في أفريقيا، ولا سيما في دول غرب أفريقيا التي تعتمد بشكل أساسي على رحلات “الميدل إيست”، إذ تتراوح أسعار السفر بين 900 و1400 دولار، وقد ترتفع أكثر بحسب بلد الانطلاق وعدد محطات التوقف وتوقيت الحجز.
أما بالنسبة للقادمين من دول الخليج العربي، حيث يقيم مئات آلاف اللبنانيين، فتتراوح أسعار التذاكر في الموسم الحالي بين 450 و900 دولار ذهاباً وإياباً بحسب الوجهة، في حين كانت هذه الرحلات تُعتبر تاريخياً من أقل الخطوط كلفة بالنسبة للمغتربين.
لا تقتصر المشكلة على سعر التذكرة الواحدة، إذ يشير مغتربون إلى أن معظم العائلات تسافر مع أطفالها، ما يعني أن عائلة مؤلفة من خمسة أفراد قد تضطر إلى دفع ما بين أربعة آلاف وسبعة آلاف دولار فقط بدل تذاكر السفر، من دون احتساب تكاليف الإقامة أو التنقل أو المصاريف الأخرى، الأمر الذي يدفع البعض إلى تأجيل الزيارة أو اختصار مدة الإقامة في لبنان.
في المقابل، يؤكد خبراء في قطاع الطيران أن أسعار التذاكر لا ترتبط فقط بالأوضاع الأمنية، وإنما تخضع لعوامل تجارية عدة، أبرزها حجم الطلب على الرحلات، وعدد المقاعد المتاحة، وأسعار الوقود، وكلفة التشغيل، إضافة إلى سياسة التسعير الديناميكي التي تعتمدها شركات الطيران، حيث ترتفع الأسعار تلقائياً مع زيادة الطلب واقتراب موعد الإقلاع.
إلا أن هذه التفسيرات لا تبدو مقنعة بالنسبة إلى عدد كبير من المغتربين الذين يعتبرون أن شركة طيران الشرق الأوسط، بوصفها الناقل الوطني للبنان، مطالبة بمراعاة خصوصية اللبنانيين المنتشرين، ولا سيما بعد الحرب، عبر إطلاق عروض استثنائية أو تقديم حسومات موسمية تشجعهم على العودة إلى بلدهم، بدلاً من أن تتحول تذكرة السفر إلى عبء يمنع كثيرين من لقاء عائلاتهم.
يرى متابعون أن ملف أسعار السفر مرشح لأن يبقى موضع نقاش خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع استمرار ارتفاع الطلب على الرحلات المتجهة إلى بيروت مع بداية الموسم السياحي، في وقت تعول فيه الدولة والقطاع السياحي على عودة المغتربين لإنعاش الاقتصاد وتحريك الأسواق، باعتبارهم يشكلون العمود الفقري للموسم الصيفي في لبنان.
بين من يعتبر أن الأسعار تعكس قواعد السوق، ومن يرى أنها تجاوزت قدرة اللبنانيين على التحمل، يبقى الثابت أن العودة إلى الوطن، التي انتظرها آلاف المغتربين بعد انتهاء الحرب، أصبحت بالنسبة إلى كثيرين مرتبطة أولاً بثمن بطاقة السفر.
إقرأ أيضاً: ربط المسارات "بقوّة الأمر الواقع"




