
فجّر قرار تجديد الإشارة للدبلوماسي الإيراني محمد رضا شيباني العلاقة مجدداً بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. فرغم مناخات التهدئة التي سيطرت على العلاقة بين بعبدا ومعراب في الآونة الأخيرة، والتي توجّت بزيارة وفد قواتي موسّع إلى بعبدا برئاسة جعجع شخصياً، وعقده خلوة مع الرئيس عون، فإنّ العلاقة الثنائية تشهد انتكاسات متتالية ترجمت من خلال المحطات الآتية:
-لم تمر زيارة الرئيس عون إلى واشنطن، مصطحباً معه وفداً من العائلة والمستشارين حصراً، مرور الكرام في معراب. فقد ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بانتقادات قواتية لهذه الخطوة، خصوصاً مع استبعاد وزير الخارجية يوسف رجي عن الزيارة، مع العلم أنّ عون التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقرّ الخارجية الأميركية في اليوم السابق للقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وقد وصل الأمر إلى حدّ إطلاق جعجع شخصياً موقفاً من هذه المسألة متسائلاً، في مقابلة مع "المركزية"، "أي مؤسّسات هذه التي يغيّب فيها وزير الخارجية عن الزيارات الرئاسية إلى الخارج؟ الوزير رجي رجل مؤسّسات وتغييبه لا يبني دولة المؤسسات".
من تسنّى له سماع كلام جعجع ورجّي مباشرة حيال هذه المسألة، سمع كلاماً كبيراً يصعب تسلّله إلى المنابر، ويُشكّل إدانة صريحة لرئيس الجمهورية حيال "ممارساته المنطلقة من حسابات شخصية لا تمتّ إلى منطق الدولة بصلة.
-تجاوزت معراب وبعبدا قطوع تفرّد وزير الخارجية بإصدار قرار اعتبار السفير الايراني محمد رضا شيباني شخصاً غير مرغوب به، في آذار الماضي، وذلك بعدما اعتبر الرئيس عون أنّ رجّي تجاوزه وذهب بعيداً في قراره من دون استشارته. "راقت الأمور" بين الطرفين نسبياً، لكن ليس إلى حدّ نزع فتيل التوتر حيث أن شيباني بقي على الأراضي اللبنانية ولم يغادر كما طلب وزير الخارجية، وذلك بغطاء رئاسي من عون ومن رئيس الحكومة نواف سلام والرئيس نبيه بري. لكن القضية انفجرت مجدداً مع تجديد تأشيرة شيباني، ومنحه إقامة مجاملة، فانفجرت معراب غضباً، وعبّر القواتيون عن سخطهم من هذه التسوية محمّلين المسؤولية مباشرة لعون.
-عكس الموقف الرسمي القواتي الصادر قبل أيام حقيقة الخلاف مع الرئيس عون شخصياً، وقد جاء فيه: "يفترض قيام شراكة حقيقية مع القوى السيادية، والتنسيق معها، بدل إدارة المرحلة بتفرّد لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة. فهناك ثلاث ملاحظات تدق ناقوس الخطر وهي تجديد إقامة الشيباني، وتراجع الخطاب الرسمي حول سلاح "حزب الله" الإيراني، والتفرّد بدل الشراكة مع القوى السيادية". وبرأي القوات "لا يجوز أن تكون المواقف قابلة للتأويل في القضايا الاستراتيجية، والمطلوب في مسألة الحزب الإيراني هو الوضوح واستخدام الفرص المتاحة لفلرض سيادة الدولة".
ذهب الخطاب القواتي إلى حدّ القول: "لا أنصاف حلول مع "حزب الله". إمّا إنهاء وضعيته العسكرية والأمنية وحظره سياسياً، وإما التقسيم". في هذا السياق، ترى القوات أن رئيس الجمهورية مقصّر في التعامل مع سلاح "الحزب"، وفي التجاوب مع الضغوط الدولية لدخول الجيش اللبناني إلى المناطق التجريبية و"تنظيفها" من السلاح، وفي أخذ القرار مع رئيس الحكومة نواف سلام في حظر "الحزب" بالكامل.
هذه الأسباب مجتمعة باتت تشكّل موضع خلاف جديّ بين الطرفين، لا سيما وأن منذ ما قبل انتخاب عون رئيساً لم يكن قائد الجيش خيار "القوات" التي نالت حصة حكومية لم تكن ضمن حسابات الرئاسة الأولى. وخلال اجتماعات مجلس الوزراء حصل أكثر من صدام كلامي بين وزراء "القوات" وعون، وفي الكواليس كان كل طرف يقول حقيقة رأيه بالطرف الآخر.
مرة أخرى نبش القواتيون مصطلح الدولة العميقة، حيث أكد النائب بيار بو عاصي أنّ "مجاملة الشيباني ضرب لهيبة الدولة، ونموذج عن الدولة العميقة". واعتبر أنّ صلاحية موظف في الدولة، قاصداً مدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير، "لا تعطيه الحق بأن يطيح بقرار الحكومة. ليس لي علم بسابقة شبيهة بتاريخ لبنان". لكن ما لم يقله بو عاصي، وكل القواتيين علناً، بأن قرار الأمن العام أتى بغطاء رئاسي مثلث، وفي ذلك اتّهام مباشر لعون بأنّه لا يزال يساير الحزب، والإيرانيين، حتى لو أتى الأمر على حساب قرارات الدولة.
الملفت أن في خطاب الرئيس عون خلال مشاركته في إحياء الذكرى 81 للأمن العام، لم يتوان عن توجيه رسائل باتجاهات متعدّدة، من ضمنها تلك الموجّهة إلى معراب التي خاضت معركة عدم بقاء شيباني على الأراضي اللبناني، واصفاً "من يهاجمون الأمن العام (مرجعية إصدار قرار تمديد التأشيرة) بالتافهين"، وقائلاً: "يللي قاعد بسدّة المسؤولية ومش قادر يتحمّل مسؤولية القرارات التي يتّخذها، بكون مش خرج يكون بالمركز الذي هو فيه"، حيث اعتبرت أوساط متابعة أن المقصود القوات، وتحديداً في ما يتعلّق بملف الكهرباء.
كما وجّه رسالة مباشرة لـ"حزب الله" بقوله: "هناك صراع داخلي مع ناس لا تريد مؤسّسات الدولة، وتعيش على ظهر غياب الدولة، ونقول لهم مهما فعلتم نحنا مكفّيين".
إقرأ أيضاً: هذا ما يقوله "حزب الله" عن علي الطاهر والمفاوضات مع واشنطن







