
وسط تصاعد كبير في وتيرة الحرب اليمنية، تشهد الساحة الميدانية غرب البلاد تطوراً جغرافياً نوعياً يعيد رسم خريطة السيطرة على البحر الأحمر. فقبل أيام قليلة فقط، كان الحوثيون يسيطرون منذ سنوات على صنعاء ومساحات واسعة من شمال وغرب اليمن، فيما ظلت جبهتا تعز والحديدة شبه مستقرتين لسنوات، من دون أي تقدّم برّي حوثي باتجاه السواحل الجنوبية للبحر الأحمر، وبقيت مدينة المخا نفسها، حتى مطلع الشهر الجاري، تحت سيطرة القوات الحكومية المدعومة من السعودية.
غير أن فجر التاسع من أيلول شهد تحولاً جذرياً في طبيعة المواجهة، إذ انتقل الحوثيون من هجمات جوية عنيفة إلى هجوم برّي واسع النطاق باتجاه جبهتي غربي تعز وجنوب الحديدة، تمكّنوا خلاله من السيطرة على مدينة المخا ومينائها، قبل أن يمتد تقدّمهم إلى حيس والخوخة، ثم إلى جزيرتي زُقر وحنيش الكبرى والصغرى، وهما الجزيرتان اللتان تتحكمان عملياً بمضيق باب المندب. وتكتسب هاتان الجزيرتان أهمية استراتيجية مضاعفة كونهما تشرفان مباشرة على خطوط الملاحة الدولية العابرة من المضيق، ما يجعل من سيطرة الحوثيين عليهما نقطة تحوّل فعلية في موازين القوى على الساحل الغربي، بعد سنوات ظلت فيها هذه المناطق بمنأى عن نفوذهم المباشر.
تفاقم الانهيار الميداني للقوات الحكومية مع إفادة مصدرين حكوميين لوكالة "رويترز" بانسحاب القوات من جزيرة بريم (ميون)، الواقعة في قلب المضيق نفسه. وحاولت القوات الحكومية تدارك الموقف عبر هجمات معاكسة استعادت خلالها بعض المواقع، فيما وجّه القيادي طارق صالح قوات الساحل الغربي بإعادة تنظيم صفوفها، مقرّاً في الوقت نفسه بأن مواجهة سيناريو سيطرة حوثية كاملة على بريم "تتطلب أساطيل دولية"، وليس قدرات محلية بحتة — وهو إقرار يعكس حجم الإرباك الذي أحدثه هذا التقدم في الحسابات العسكرية للحكومة الشرعية وحلفائها.
يزداد المشهد تعقيداً على المستوى الإقليمي مع تزامن هذا التقدم الحوثي مع إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، ما يهدد بتعطّل ممرّين استراتيجيين لإمدادات الطاقة العالمية في آن واحد، ويضع الملاحة الدولية أمام اختبار غير مسبوق منذ سنوات.
هل سيطر الحوثيون فعلياً على باب المندب؟
الجواب حتى الساعة أقرب إلى "ليس بعد بشكل كامل، لكن بشكل خانق". فالجماعة تسيطر ميدانياً على الجزر الجنوبية (زُقر وحنيش) وعلى الشريط الساحلي المؤدي مباشرة إلى المضيق، كما انسحبت القوات الحكومية من جزيرة بريم نفسها، إلا أن مصادر أخرى، من بينها مراسل لوكالة أنباء صينية، نفت صحة الأنباء المتعلقة باكتمال السيطرة الحوثية على الجزيرة. وعملياً، يضع هذا التضارب في الروايات المضيق في "منطقة رمادية": فلم تُحسم السيطرة الكاملة عليه بعد رسمياً وعسكرياً، لكن الحوثيين باتوا، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب اليمنية، على مسافة قريبة جداً من فرض نفوذ فعلي قادر على تهديد حرية الملاحة الدولية في أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.
إقرأ أيضاً: انفجار المرفأ: قِربِت الحقيقة!







