
بيروت تحت النار. زنار من الجرائم، نفّذته إسرائيل يوم أمس في أحياء العاصمة مرتكبة أكثر من مجزرة بحق اللبنانيين، موقعة أكثر من 180 شهيداً وأكثر من 900 جريحاً. وذلك فضلاً عن استهدافات أخرى طالت الجنوب والبقاع وصيدا وصولاً حتى الجبل.
اذ شهدت العاصمة تصعيداً عسكرياً هو الأعنف والأكثر تعقيداً منذ بدء المواجهات، حيث تأتي هذه التطورات في لحظة جيوسياسية فارقة تتسم بالتناقض الصارخ بين مسارات التفاوض الإقليمي واشتعال الميدان المحلي. فبينما كان العالم يترقب مفاعيل "اتفاق تهدئة" أو بداية لوقف الأعمال الحربية بين طهران وواشنطن لخفض التصعيد الشامل، تعرّضت بيروت لسلسلة غارات عنيفة هزت أركانها، لتضع لبنان أمام واقع جديد عنوانه: "فصل المسارات" القسري.
هكذا، تبدو إسرائيل اليوم وكأنها في سباق مع الزمن؛ فهي تضرب بعرض الحائط مناخات التهدئة الإيرانية-الأميركية، مُصرّة على استمرار حربها في لبنان كساحة منفصلة تماماً. يرى المسؤولون الإسرائيليون أن أي اتفاق لا يضمن "تفكيك بنية حزب الله" في الجنوب وتأمين عودة سكان الشمال هو اتفاق ناقص، ولذلك بادرت إسرائيل إلى تصعيد استهداف قلب بيروت والضاحية الجنوبية، في رسالة واضحة مفادها أن "مظلة الاتفاق الإقليمي" لا تحمي الساحة اللبنانية بالقدر الذي يمنع الاستفراد بها عسكرياً.
يكمن جوهر الأزمة اليوم في الخلاف الحاد بين واشنطن وطهران حول شمولية "اتفاق التهدئة". فبينما تحاول إيران تسويق الاتفاق كحزمة متكاملة (Grand Bargain) تضمن هدوء جبهات "محور المقاومة" مقابل مكاسب اقتصادية وسياسية، تصر الولايات المتحدة على حصر التهدئة في الملف المباشر مع طهران، معتبرة أن الملف اللبناني له خصوصية أمنية ترتبط مباشرة بـ"أمن إسرائيل". هذا الالتباس في التفسيرات حوّل بيروت إلى صندوق بريد دموي، حيث تُدفع الأثمان لتعديل شروط التفاوض خلف الكواليس.
أمام هذا المشهد القاتم، تبرز ثلاثة سيناريوهات تحكم مستقبل الأيام القادمة:
• السيناريو الأول: الضغط الأميركي الحاسم: وهو أن تضطر إدارة واشنطن، تحت وطأة الخوف من انهيار كامل للاستقرار الإقليمي وفشل اتفاقها مع إيران، إلى ممارسة ضغوط قصوى على تل أبيب لوقف "جموحها العسكري" في بيروت، وفرض صيغة مشابهة للقرار 1701 لكن بضمانات تنفيذية جديدة.
• السيناريو الثاني: استثناء لبنان: هو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً، حيث يتم تحييد المواجهة المباشرة بين أميركا وإيران، مع ترك "جبهة لبنان" مشتعلة كساحة استنزاف. في هذا المسار، تستمر إسرائيل في عملياتها لمحاولة فرض واقع ميداني جديد، بينما تكتفي الأطراف الدولية بمراقبة موازين القوى من دون تدخل حاسم.
• السيناريو الثالث: نسف الاتفاق الكبير: إذا استمرت إسرائيل في استهداف لبنان، قد تجد إيران نفسها مضطرة لنسف تفاهماتها مع أمريكا والعودة إلى مربع التصعيد الشامل، معتبرة أن التخلي عن "درة تاجها" في لبنان هو بداية لنهاية نفوذها الإقليمي.
ختاماً، تعيش بيروت اليوم "ساعة الصفر" الحقيقية؛ فإما أن تنجح الدبلوماسية في سحب فتيل الانفجار عبر إدخال لبنان في "رزمة التهدئة"، أو أن تتحول العاصمة اللبنانية إلى الضحية الكبرى لصراع الإرادات الذي لم يحسم بعد من يملك الكلمة الأخيرة فيه: طاولة المفاوضات أم أزيز الطائرات.
إقرأ أيضاً: بري "مستسلم": مصيرنا في الخارج







