بالريشة

ترامب وبوتين في الصين في أسبوع واحد… وهذه هي الفوارق

في مشهد استثنائي نادر الحدوث في تاريخ الدبلوماسية المعاصرة، استضافت بكين قائدَي الولايات المتحدة وروسيا، دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، خلال أسبوع واحد، مما جعل العاصمة الصينية المسرح الأكثر إثارةً للسياسة الدولية في ربيع 2026. لكن رغم تشابه الإطار الجغرافي، فإن الزيارتين اختلفتا اختلافاً جوهرياً، في الشكل قبل المضمون.

بروتوكول يعكس طبيعة العلاقة

منذ لحظة الوصول، تكشّفت الفوارق. حين هبط ترامب من طائرته، استقبله نحو 300 شاب صيني أدّوا عرضاً احتفالياً بالأعلام مع هتافات "مرحباً بالرئيس ترامب"، ورافق الاستقبال فرقة موسيقية عسكرية وحرس شرف. وقد بدا الاستقبال مصمَّماً ليُرضي ترامب شخصياً، الذي يُولي الاحتفاء الجماهيري أهمية بالغة. ثم جرت مراسم الاستقبال الرسمية في قاعة الشعب الكبرى وفق بروتوكول رفيع وسط حضور كبار المسؤولين من الجانبين. وقد خرجت الزيارة عن سياقها البروتوكولي التقليدي حين اصطحب شي ضيفه الأمريكي داخل مجمع "تشونغنانهاي"، المقر المغلق والبالغ الحساسية لقيادة الحزب الشيوعي، تعبيراً عن الامتنان وإبرازاً لمستوى العلاقة الشخصية بين الزعيمين.

في المقابل، وصل بوتين إلى بكين وكان في استقباله وزير الخارجية الصيني وانغ يي، مع تحضيرات لمراسم استقبال رسمية ضخمة في ساحة تيانانمن الشهيرة. وهو بروتوكول أكثر رسمية وصرامة، يليق بزيارة دولة كلاسيكية لا بلقاء يراد له أن يبدو شخصياً ودافئاً. تلت المراسم محادثات بين بوتين وشي في قاعة الشعب الكبرى، أي في الإطار المؤسسي نفسه، لكن بمناخ مختلف تماماً. لافت أيضاً أن بوتين استُقبل على أنغام أغنية "كالينكا مالينكا" الروسية الشعبية، في إيماءة ثقافية تؤكد عمق الألفة بين البلدين، لا مجرد تبادل مصالح.

الفارق البروتوكولي الأكثر دلالة هو أن زيارة بوتين هي الخامسة والعشرون له إلى الصين منذ توليه مقاليد الحكم، وهو ما يُفسّر حالة الارتياح والألفة الظاهرة بين الرجلين؛ فالبروتوكول هنا يُحكمه التاريخ المتراكم، لا حرارة الاستقبال.

صفقات مقابل تحالف

الفارق الأعمق كان في جوهر المحادثات ومستوى الطموح لدى كل طرف. جاء ترامب حاملاً ملفات اقتصادية بالدرجة الأولى، ومحاولاً إعادة ترتيب العلاقة التجارية المضطربة مع الصين. في ختام زيارته، أشاد ترامب بـ"صفقات تجارية رائعة" وأكد أن العلاقات "جيدة وتزداد تحسناً"، فيما أشارت بكين إلى "تفاهمات جديدة". غير أن المراقبين لاحظوا محدودية النتائج الفعلية؛ رأى خبراء أن الصين خرجت رابحة بالنظر إلى تراجع إدارة ترامب عن نهجها المتعجرف في التجارة منذ أوائل 2025. كما تناولت المحادثات ملفي الحربين في أوكرانيا وإيران، دون أن يتمكن ترامب من تحقيق اختراق يُذكر.

أما بوتين فجاء بأجندة مختلفة كلياً، هي أجندة حليف يحتاج إلى دعم لا مجرد زبون يبحث عن صفقة. يسعى الزعيم الروسي الذي أنهكته سنوات الحرب الطويلة في أوكرانيا للحصول على مزيد من الدعم من حليفه المقرب. وتصدّر الأجندةَ ملفُّ الطاقة، إذ شهدت صادرات النفط الروسية إلى الصين قفزة قياسية بنسبة 35% خلال الربع الأول من 2026، فضلاً عن مشروع "قوة سيبيريا 2" للغاز. كما تناولت المحادثات التطورات المرتبطة بالتصعيد في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، إضافة إلى التعاون في المعادن النادرة والممرات البحرية.

الرسالة السياسية لزيارة بوتين لا تقل أهمية عن مضمونها؛ يسعى الرئيس الروسي إلى إظهار أن علاقتهما لم تتأثر بزيارة ترامب، وأن الشراكة الصينية-الروسية لم تتزعزع أمام الإغراءات الأمريكية. وكما قال أحد المحللين، فبوتين لا يستطيع زيارة كثير من الأماكن بسبب العقوبات، لكنه يستطيع في بكين أن يُظهر للغرب، وخاصة الولايات المتحدة، أنه يحظى بدعم قوي من شي.

ما كشفه هذا الأسبوع الاستثنائي هو أن صحيفة "غلوبال تايمز" الحكومية الصينية اعتبرت الزيارتين المتتاليتين دليلاً على المكانة المحورية للصين في الدبلوماسية العالمية، مؤكدةً أنه من النادر في حقبة ما بعد الحرب الباردة أن تستضيف دولة قادة الولايات المتحدة وروسيا خلال أسبوع واحد. بكين تستقبل الجميع، لكنها لا تنحاز لأحد بالكامل؛ مع ترامب تتحدث لغة الأرقام والتجارة، ومع بوتين تتحدث لغة الاستراتيجية والتحالف. وهذا بالضبط ما يجعلها اللاعب الأول في عالم متعدد الأقطاب.

إقرأ أيضاً: بين المدينة المحرّمة والسجاد الأحمر… هكذا أبهرت بكين ترامب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى