بالريشة

"أوريشنيك": سلاح روسي استثنائي يقلب المعادلة

للمرة الثالثة على التوالي استخدمت روسيا صاروخ "أوريشنيك" (شجرة البندق) الباليستي خلال هجوم واسع النطاق استهدف العاصمة الأوكرانية كييف ومناطق أخرى، وذلك رداً على ما وصفتها بـ"الهجمات الإرهابية" الأوكرانية. ما هو هذا الصاروخ؟ وما هو توقيت إطلاقه؟

لا يُنظر إلى صاروخ "أوريشنيك" الروسي بوصفه سلاحاً عسكرياً في المواجهة بين موسكو وكييف فحسب، بل بأنه رسالة ردع موجهة إلى خصوم روسيا في الغرب، الذين يواصلون التخطيط لتوسيع دعمهم العسكري لأوكرانيا. هذا التوصيف يختزل جوهر هذا الصاروخ الذي بات يتصدر نشرات الأخبار العسكرية منذ نهاية 2024.

"أوريشنيك" هو الاسم الشائع للصاروخ الروسي الذي يُعرف رسمياً بـRS-26 "روبيج"، وهو صاروخ باليستي متحرك يعمل بالوقود الصلب بدأت روسيا تطويره منذ عام 2008 في معهد موسكو للتكنولوجيا الحرارية. وقد ظل هذا السلاح طي الكتمان حتى كشفت الحرب الأوكرانية عن وجوده الميداني.

مواصفات تجعله خارج المعادلات التقليدية

ما يميّز "أوريشنيك" عن سائر الصواريخ الروسية المستخدمة في الحرب هو تضافر عدة عوامل تقنية في منظومة واحدة. يكمن أبرز عنصر قوة لديه في سرعته الهائلة التي تفوق سرعة الصوت بعشرة أضعاف، مما يتيح له التحليق بسرعة تتراوح بين 2.5 و3 كيلومترات في الثانية الواحدة، وهو ما يجعل اعتراضه مهمة شاقة وشديدة التعقيد بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي الحالية.

يتميز الصاروخ بقدرته على حمل مركبات إعادة دخول متعددة مستقلة التوجيه (MIRVs)، تتيح له إصابة عدة أهداف مختلفة في وقت واحد، كما أنه قابل للتجهيز برؤوس حربية تقليدية أو نووية، ويبلغ مداه التقديري نحو 5000 كيلومتر.

وقد أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه أن "أنظمة الدفاع الجوي المتوفرة حالياً في العالم وأنظمة الدفاع الصاروخي التي نصبها الأمريكيون في أوروبا لا تعترض هذه الصواريخ". وهو توصيف يؤكده محللون عسكريون غربيون، إذ يرون أن تقنية "أوريشنيك" كشفت عجز منظومة الدفاع الجوي الأمريكية الصنع MIM-104 "باتريوت" التي تعتمد عليها أوكرانيا بشكل أساسي، لأن الصاروخ يبلغ ضعف سرعة أسرع صاروخ اعتراض أميركي، فضلاً عن قدرة رأسه الحربي على الانفصال والمناورة عبر مسارات معقدة.

التوقيتات الثلاثة: تصعيد مدروس

استُخدم "أوريشنيك" حتى اليوم ثلاث مرات فقط في الحرب الأوكرانية، وكل استخدام حمل رسائل متفاوتة الوضوح. كان الاستخدام الأول في تشرين الثاني 2024 ضد مدينة دنيبرو، والثاني في كانون الثاني 2026 ضد منطقة لفيف غربي أوكرانيا.

وفي الحالة الأولى، أُطلق الصاروخ من دون رأس حربي فعلي على منشأة مرتبطة بالصواريخ، في ما بدا استعراضاً للقدرة أكثر من كونه ضربة تدميرية. أما الضربة الثانية في كانون الثاني 2026، فقد استهدفت مصنعاً لإصلاح الطائرات في لفيف غرب أوكرانيا وأسفرت عن تأثيرات استراتيجية كبيرة. ولم يكن اختيار لفيف اعتباطياً؛ فوقوع الضربة قرب الحدود الشرقية لحلف الناتو في بولندا أثار اهتماماً فورياً لدى المخططين العسكريين في أوروبا.

أما الضربة الثالثة، في 23-24 أيار 2026، فكانت الأشد رمزية: أصاب الصاروخ منطقة صناعية قرب مدينة بيلا تسيركفا، التي تقع على بعد 80 كيلومتراً فقط جنوب العاصمة الأوكرانية كييف. وقد جاءت ضمن واحدة من أكبر عمليات القصف على منطقة كييف منذ بداية الحرب. وتكشف هذه الضربات مجتمعةً عن نمط واضح في التصعيد: من الشرق إلى الغرب، ومن الأطراف نحو العاصمة.

ماذا يريد بوتين من هذا السلاح؟

يرى خبراء عسكريون أن استخدام "أوريشنيك" الميداني يهدف بالأساس إلى توجيه رسالة سياسية وعسكرية إلى الغرب وأوروبا تحديداً، أكثر من كونه لتحقيق مكاسب مباشرة على أرض المعركة. وقد رافق الاستخدام الأخير تحذير صريح إذ دعت موسكو الرعايا الأجانب والدبلوماسيين إلى مغادرة كييف، مؤكدةً عزمها تنفيذ المزيد من الضربات ضد مراكز القيادة وصنع القرار داخل العاصمة الأوكرانية، إضافة إلى استهداف منشآت المجمع الصناعي العسكري.

باختصار، "أوريشنيك" ليس مجرد صاروخ؛ إنه أداة ضغط نفسي وسياسي بالقدر ذاته الذي هو فيه سلاح تدميري. تستخدمه موسكو بجرعات محددة، في توقيتات مدروسة، لترسم خطوطاً حمراء جديدة في حرب باتت تتجاوز حدود أوكرانيا.

إقرأ أيضاً: المسيرات الانقضاضية للحزب: السلاح الذي يُقلق إسرائيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى